داخل مقطورة صغيرة، جلس رجل بدين يسند ظهره العريض إلى وسادتين بجانب راديو قديم معطل، قاطعتُ جلسته الكئيبة، فانتفض واقفاً ليتسلم الأوراق من يدي دفعةً واحدة وكأنه ينتزعها عنوة، تصفَّحها بمللٍ واضح، منادياً اسمي (بهجة الغد)!
رفعتُ برقعي ليتمكن من رؤية ملامحي، حدّق فيها لمقارنتها بصورة في يده، هز رأسه بالنفي: لا أظنك تشبهين (بهجة الغد) سيدتي! أوراقكِ غير صالحة للعبور إلى المستقبل؛ بلعتُ كلامي وحبسته بصعوبة لئلا تفضحني لكنة دموعي المكسرة، واكتفيتُ بصوتٍ نتج عن بلع ريقي الجاف، راجيةً من عينيه تفهّم وضعي، ولحسن الحظ لم ينجح أحد من الصف خلفي في اختبار الملامح مثلي! لأنهم لم يقلعوا عن تعاطي ماضيهم.
عبر نقابي لمحتُ نقطة تفتيشٍ عمَّن لا يزال يعيش الأمس، وتحت النقاب شعرتُ بالأمان وبمدى حرية وجهي بالتعبير أينما كان، ولكن الواقع يفرض رسوماً باهظة لكي ننتقل إلى المستقبل من دون التعلق بالماضي، ولهذا نزعته بابتسامةٍ آلمت فكي، حيث لم أستخدمها منذ فلكٍ يفوق فضاء ذاكرتي، وهكذا استعدتُ تفاصيلي، فتطابقت صورتي مع النسخة بين يديه فجأةً، ولهذا سمحَ لي بالعبور فمشيتُ ببهجةٍ لحدود الغد، تاركةً خلفي نباح التجارب الماضية، وغبار عواءٍ أقسمت ألا أتذكر منه سوى الدروس التي سأستفيد منها لاحقاً.