يخرج الفتيانُ تحت المطر الشرس ، يفتحون قمصانَهم ، ويرفعون رؤوسَهم ، كأنّهم يَعبّون الغيومَ ويتنفسّون أقواسَ قزح ، ويغتسلون بالسحاب ، ويعودون ، والبخارُ يتفشّى حولهم ، وينضحُ من أبدانهم الفتيّة الساخنة.

***

الحنّون المُضْمَر في الثوب المُسْدل على أكتاف الشجرة ، بات معزوفة سماوية ترحب بالطيور ، ويدعوها للحياة.

***

لقد أدخلوا البقرةَ والحمارَ والعنزةَ إلى غرفتنا الوحيدة ، المكتظّة بالأب والأمّ والبنات والأولاد العشرة .. ثم أخرجوا البقرة فالحمار فالعنزة ، تباعاً، أسبوعاً بعد أسبوع .. ما أدخلَ الفرح على العائلة ، التي تنفّست الصعداء ، وأعلنت أنها انتصرت .. فأقامت  الأفراح والليالي الملاح .

أمّا مَن احتلّ باقي الغرف وسيطر على البيت وساحاته .. فقد أسعده موقف العائلة ، وأدخل عليه الاطمئنان والراحة ، وتأكّد أنّ أصحاب البيت  يصلحون للاستهزاء، والتهكّم والاستخفاف ، والتنكيل بهم ..

***

 السبحة الحجرية تصطك مثل أسنان المذعور في يد الخائن ، الذي لايدري كيف يصلّي .. أمام الناس.

***

ما هي أسماء الأخوة والرفاق الذين كنت معهم في الغرفه المغلقه بالقضبان الغليظه ؟

انا أعرف أن لهم اسماً واحداً هو المذبحة ، والآخرون يسمّونهم مجلس الشرّ ! أما أنا فأعتقد أن الأرض لها عشرون اسم هي أسماؤهم .

***

جاءني الطفل في المنام وقال لي : لا تردموا البئر مرة أخرى ! أرجوكم .. ففي القاع خاتمي، وعلى طبعته نقش يظهر صورتي مع الوَحشيْن .

وفي الليلة التالية رأيت ملء العين الشقيقين التوأم اللذين ألقتهما أمهما ، وهما رضيعان ، من الشرفه إلى الوادي .. حتى لا تأتي عليهما النار ، التى أكلت المدينة ، ورأيت كيف ترفّقت الذئبةُ بهما ، وأرْخَت لهما أثداءها ليشربا ..

***

كاد أن يبكي لشدة ما ضحك على نفسه : كيف يأكل السمك في الرؤية ، وليس لديه غير بضع نعاج وكلب يصطحبه إلى المراعي .. ؟

 ***

أبكي لأنكم قيّدتم يديّ ، فتسربت الكهرباء إليّ وهزتني ، فصعقت أعصابي وحرقت رسغيّ وشعطت قلبي .. ورجّتني حتى تلقلق عظمي بين لحمي ، وسكبت ماء النار والفلفل في مفاصلي .. ماذا فعلت ؟

 لا .. لا .. غير صحيح ! كنت أغنّي وأدندن بصوت عالٍ ، فساقوني لسرير الكهرباء .. وكان الماء المحروق ينزّ من عيني .. ويغمى عليّ..

***

 حسناً .. لن أصرخ ، ولكن أريد ألا يطفئوا الأضواء ، ويظل التلفاز يعجّ بألأغاني .. نعم .. أحبها .. يا إلهي ما أجملها .. ههههههه  هههه

لماذا تضحك ؟

تذكرت عامل النظافة الذي دَهَم غرفة المجنونة في المهجع النسائي .. وكان يباضعها ، وكانت المسكينة تحسّ بلذّة على ما يبدو ، كلّما جاءها ، وصارت تخلع ملابسها كلما رأته .. ليكتشفوا بعد أشهر أنها حامل ! وبعد أن وضعت حمْلها .. فوجيء الأطباءُ أنها استعادت عقلها ، وأصبحت طبيعية مئة بالمئة ، وفارقها مرضها ، ورجعت كأي إنسان عاقل راشد مدرك واعٍ .. وسمحوا لها بالرجوع إلى أهلها مع رضيعها ، لكن أهلها رفضوا استقبالها لأنها "مجنونة زانية" ، فرجعت إلى المشفى لتعمل خادمة فيه ، بعد أن هرب والد الرضيع .. وأختفى !

بعد سنوات عاد هذا المختفي ، فإذا به ، ما شاء الله ! مسؤل لديه أموال لا تأكلها النيران ، وصار وجيهاً في البلد !! وهو ذاك الذي انتخبوه .. رغم تهامس البعض بالإشارة إليه ، باعتباره صاحب المجنونة .

والمجنونة ؟ ألا تعرفها .. إنها

  سوف تبكي على كتفي ، كلّما مرّ فيها السحاب .

 قلتُ ؛ لا وقت للدمع ، قومي إلى صفحة في الكتاب ..

 هناك على أول السطر تبكي الملائكة الطاهرون ،

 ومن خلفهم أُمّةٌ في العذاب .

هنا أو هناك ، جموع من الذاهبين إلى الموت ، برّاً وبحراً ،

 وقصفا وحرقاً ، بكل الأيادي والطائرات .. وما من خلاصٍ سوى

 أن نعود إلى الغدِ ، نسأل عن أغنيات الرحيل .. لندفنها ..

ثم نطلق أغنيةً للبقاءِ على تلّة الذّبْحِ ، حتى يقول الذي ماتَ ؛ عدتُ ،

 وهذي البداية نحو السراب.

 

***

ولم يأكل الخبز ذلك العشّار لمدة أربعين دقيقة ! لقد هزم الشيطان، الذي لم يحضر إليه ، ولم يقدّم إليه إغراءات القمح !!

 وما زال يتشدّق بالصوم الكاذب .. تماماً مثلما كان دم أبيه كاذباً ، وكذلك دم أمّه .. وكل سلالته المعطوبة.

***

لم تفرش له مزودة العنكبوت ، ولم تنصب له خيمة الوَبَر ! تركته حتى يصل ، دون دليل، إلى الفكرة ، ولا حدود للحارة أو الحيّ أو البلدة، كلّها جهاز اتصال يشوّش النهر، الذي يغذّي الأعذاق، وتظلّ أسماكه الملّونة دون حلوى.

***

درس العودة في الطين الموحل ، والصنوبر الجاف يضخّ هواءً قديماً .. والرجل لا يجد ما يحفّ به شاربيه ، أو يكشط به لحيته المُنْكَرة .. والمراةُ لا تفهم أن لحم التفاحة يغري الكسالى ، الذين ينامون حتى الظهر . والبندق المشعّ في عينيّ الذئبة لا يجد أرضاً ينبت عليها .. إنه الظمأ ، الذي يخنق الكوخ.

***

الطرقات موحشة ، وخطوات الغرباء ثقيلة ، والحصار على أشدّه ، والزمن اثنان ؛ زمننا بطيء مقيّد كالحمار ، وزمنهم مفتوح حداثيّ كالمقصلة .

والطرقات موحشة ! إلاّ أن الكلاب وفيّة وتعرف كيف تربض أمام البيوت وتحمي الجثث الخضراء ، حتى لا يأخذها الجنود. وثمة عويل طويل يقطّع الليل ويذبح الأوردة .

والطرقات موحشة ، وثمة فتى يكتب بفرشاة الألوان على الحيطان ما يشقّق الوحشة ، ويشق ّ الباب ، ليدخل النور  ويبدأ النداء ..

***

لماذا تيتّم هذا الصغير؟ وماذا جرى كي يحرقوا أمَّه وأباه ؟ وماذا ينادي؟ وماذا يقول؟ سوى أن يكون انفجاراً مخيفاً بوجه الحياة!

***

وتباينت الآراء ، واختلفوا، وارتفعت الأصوات !

مَن سيعلّق الجَرس ؟!

 كان القطّ قد خلع القلادة ، وجاء على الجبنة كلّها.

***

مَن أصدقاؤك؟

 الغنم وعصا الراعي والشتاء والفستق الحلبيّ والحكواتي ومجلس الشرّ .. ألم تسمع بما اقترفه المجلس بحق الليل ؟

لا .. لم أسمع !

إذن ،  إسأل النهار ..