*لأننا قضينا زمناً من السنوات في طفولتنا المفقودة في مزارع الكرامة ..من الخيمة الكبيرة إلى براكية الزينكو ..فقد تعرفنا وجهاً لوجه و بدون أية واسطات على مجموعة كثيرة من الحشائش ..والتي كُنّا نحبها أوّل طبخة وثاني طبخة ..ولكن بعد أن تزيد الأمور عن حدّها و تتحول تلك الطبخة إلى ( فطور غدا عشا ) ..فقد كنا نكره اليوم الذي تعرفنا فيه على تلك الحشائش ..!*
*ملكة الحشائش على الإطلاق ..هي الخبيزة ..في مثل هذا الجو ..وفي مثل هذا الوقت ...أرمي كتبي على طول يدي في البراكيّة بعد ترويحة مشي من المدرسة و أصيح بصوتي الجهوري : يُمّا ..شو طابخة ..؟ تجيبني : خبيزة ..وأطير إلى الخبيزة كمن يلتقي بعشيقته ..!*
*في ذات اليوم مساء ..: شو في عشا يُمّا ..؟ تجيبني : ظل شوية خبيزة من الظُهر ..! أمشي إليها ( مش أطير ) كمن يريد أن يُكرر اللقاء مع عشيقته بحماس أقل ..!*
*في اليوم التالي ..نفس مشهد رمي الكتب : شو طابخة يُمّا ..؟ تجيبني : والله احترت شو أطبخ ..وفيه أكم عرق خبيزة قمت عليهن و حَمَسْتهنْ..! ..أقول : خبيزة كمان ..؟ تقول : سَلِّكْ حالك و ع العشا يفرجها الله ..! أصل الخبيزة وأنا أقدّم رجلاً و أُرجع أخرى ..! وفي ذات المساء أيضا : شو في عشا يُمّا ..؟ ظل شوية من الغدا ..هاظ الموجود ؛ يا تاكل وانت ساكت يا تروح تنطم وتنام  ..!*
*ويتكرر المشهد في ذات الأسبوع كذا مرة ..وفي الشهر ..حتى ينقضي موسم الخبيزة ..!*
*منذ سنوات هجرنا المزارع ..منذ سنوات نترجى أمّي كل شتاء أن تطبخ لنا خبيزة ..والآن الآن بالذات ..أحن إلى خبيزة أمّي ..! نفسي لما أتصل عليها وأسألها : شو طابخة يُمّا ؟؟؟ نفسي تقول لي : خبيزة ..! حتى لو كانت ذات الخبيزة الباقية من أحد غداءات طفولتي ..وأرجع ارمي الكتب و أطير إليها كأنها العشيقة ..!*