حاجبانِ مُتجَعِّدانِ مُتَغَضِّنَانِ بكهولة، شفتانِ منفرجتانِ مُتشققتانِ بسهولة، بقاءٌ إنساني مشحون بالشيخوخة الروحية، رؤية غامضة تشكو غياب الوضوحية، كصدرٍ يتوقُ إلى حضنٍ يستوعب حجم انسحاق الفرد، فالعناق ملاجئ بشرية قد لا تقي دائماً من البرد، ولكنها حتماً تُستخدم للوقاية من (الجنون)، ولتحسين (الجو) عند حذف النون!
هكذا خبَّأ شتاء نوفمبر في جيبه، ثم انصرفَ يتوارى خلف عيبه، فتساقط ديسمبر أمامه فوق المنضدة، واكتشف أنه «هو نفسه» جميع مَن ضده! وكأنَّ الحياة موت سهل ومفهومٌ للغاية، بينما الموت حياة شاقة ومبهمة الغاية، وعندها أيقن أن البعض يموت في ربيع العمر ثم يُدفن في خريفه، بعدما تأكَّد أن فصول السنة الأربعة مدسوسة في درج الأدمغة، وفقاً لنوع خشب الرأس؛ إذ لن يجدينا نفعاً مجرّد النجاة في الحياة، وإنما الانتصار والتغلّب عليها.
بما أن طرقةً واحدةً من المطرقة لا تكفي لبناء مدينة أبداً، إذن من الطبيعي ألا تبني فكرة واحدة عقلاً راجحاً كامل البنيان، ولذلك أن نعتمد على العقل دون القلب، أو القلب دون العقل، سنبدو تماماً كمن يرى العالم بعينٍ يتيمة فقدت أحد «البؤبؤين».
لا تكمن المشكلة في أن يلد الإنسان إنساناً آخراً، بل في طريقة تنشئته إلى أن يثبت جودة إنسانيته.