منذ نعومة أظفاري وطفولتي المبكرة، والعلاقة بيني وبين الكلاب في غاية التوتر. فقد تعرّضتُ لهجومين كلبيّين، الأول عندما كنت في سنتي الثامنة. أما الهجوم الثاني فحدث وأنا في السادسة والعشرين من عمري. 
الهجوم الأول، أنقذني منه بعض المارة بعد أن صرخت مستنجداً. أما الثاني، فقد طاردني "الجيرمان شيبارد" وسط الرمال، وهبشني، ولولا أنني كنت أرتدي بنطال دينم (جينز) سميكاً، لمزق بأنيابه الحادة ربلة ساقي. كما أن أحد العاملين لدى صاحب الكلب وصل راكضاً في الوقت المناسب قبل أن يصيبني الانهيار! لم أكن قد تزوجت بعد، وخشيت أن يكون نسلي قد انقطع بسبب الرعب، لكن الله سلم واقترنت بعد ذلك بسنوات ثلاث بزوجة محبة، ورزقنا الله بنتاً واحدة وولدين هم حشاشة كبدي وقرة عيني!
حادثة أخرى حديثة وقعت لي مع الكلاب. فقد كنت في سفر خارجي منذ بضع سنوات عندما حاول مخبول على رحلة لإحدى خطوط الطيران الغربية حرق طائرة أثناء تحليقها في أجواء مدينة ديترويت الأميركية، وذلك باستخدام مواد قابلة للاشتعال أخفاها في ملابسه الداخلية. بعد عدة أيام، كانت رحلة عودتي إلى دبي. ذهبت إلى المطار، وأنهيت جميع الإجراءات. وحين جاء وقت الصعود إلى الطائرة، دخلت إلى "التيوب"، ففوجئت بثلاثة رجال ضخام الجثث، لا يقل طول أقصرهم عن المترين، يرتدون الأسود من الثياب ويضعون على أعينهم نظارات سوداء أيضاً، وفي يد كل منهم حزام مربوط في طرفه الآخر كلب بوليسي مرعب ومتأهب! ماذا يفعل الكلب يا ترى؟؟ يشم كل راكب قبل دخوله الطائرة! ومن أين يا رعاكم الله؟؟ من بين الساقين! تجمّدت في مكاني، ثم خشيت بعد تفكير سريع من أن يشك أحدهم فيّ، فتقدمت وقبل اقترابي من الرجل الطويل الأول خاطبته قائلاً باستعطاف: أرجوك أنا لست على وفاق مع الكلاب. فأجابني بوجه جامد ولغة خشبية معلّبة: لا تخف! قلت له: كيف لا أخاف.. الكلب سيشم المنطقة إياها! فصعّد من لهجته، وصرخ فيّ طالباً أن أتقدم بسرعة وكأنه يقول: "خلصني امشي بسرعة وبلا دلع"، لأن طابور الركاب خلفي بدأ يتضخم. تقدمت مرتعباً، ولم أدرك هل توقف قلبي عن الخفقان، أم أنني غبت عن الوعي، وكيف مرّت الثواني القليلة، وكيف وصلت إلى مقعدي داخل الطائرة!
****
عودة إلى الطفولة.. كان منزلنا في طرف المخيم، ضمن صف من بضعة بيوت محاذية للشارع الرئيس، وهذه ميزة ما بعدها ميزة، فقد كنت أصل إلى المدرسة في فصل الشتاء وحذائي نظيف، على عكس زملائنا الذين كانوا يحضرون من وسط المخيم والوحل يغطي جزمهم المطاطية ذات الساق الطويل، لا بل يتعداها أحياناً إلى أطراف ثيابهم ومعاطفهم. وكان في الحي منزلان يقتنيان الكلاب، أحدهما في أول صف البيوت والثاني في آخره، أي أنني كنت محاصراً من الجانبين.
في كثير من الأحيان، كنت أفضل المرور من وسط المخيم في الذهاب والإياب إلى المدرسة أو السوق، والخوض في الوحول على المغامرة بالمرور من أمام الكلب، الذي ألمحه من بعيد وهو يتدرب ويستعرض مهاراته في الجري والدوران والنباح.. هذا في النهار. أما في الليل، فهناك عامل رعب آخر، فالسّير وسط المخيم عبر الحارات الموحشة غير المضاءة، يعني مطاردات الأشباح و"أبو رجل مسلوخة" والجن والعفاريت. لكن خوفي من الكلاب كان يتغلب على الرعب الذي يملأ قلبي وحواسي من المطاردات المتخيّلة.
****
في الغرب عموماً، وفي مختلف أجزاء العالم، تحظى الكلاب بمعاملة "فوق إنسانية" لذلك لا يصح وصف الأوضاع البائسة لبعض الناس والمجتمعات بأنها "عيشة كلاب"، لأن الكلب يحظى هناك بالغذاء الجيد والرعاية الطبية والمسكن المكيّف والترفيه، بالإضافة إلى التنزه والسفر والإقامة الفندقية، ناهيك عن الأحضان الحنونة والدفء العائلي.
قضيت مؤخراً إجازتي السنوية في مدينة كالغاري الكندية حيث تقطن عائلتي. كنت أتابع الأخبار علني أسمع أو أقرأ شيئاً عما يدور في منطقتنا العربية، إلا أن ذلك من آخر اهتمامات الناس هناك. فالخبر الرئيس (المانشيت) في أحد الأيام كان عن أمر اعتقال أصدره قاض بحق رجل تخلف عن المثول أمام المحكمة. ما هي جناية الرجل يا ترى؟ لقد تسبب في نفوق كلبته التي تركها في سيارة مقفلة خلال فصل الصيف، والحرارة تتجاوز الثلاثين درجة مئوية. وقد رفعت الدعوى ضد الرجل، البالغ 45 عاماً، "جمعية كالغاري الإنسانية" وذلك بموجب قانون "حماية الحيوانات". ونظراً إلى تغيبه عن حضور الجلسة، فقد أصبح مطلوباً. 
خبر رئيس آخر تصدر الصحف بتطوراته ثلاثة أيام متتالية. فقد قام زوجان بإيصال ابنتهما الصغيرة مع زميلتها في الصباح الباكر إلى مركز في وسط المدينة للمشاركة في مسابقة للرقص. وعندما عادا إلى حيث أوقفا السيارة، لم يجداها. الطامة الكبرى أن كلبهما المهجن من الجيرمان شيبارد والهسكي، واسمه "فُزي"، كان في السيارة، مع حقيبة يد الزوجة وهاتفها المحمول.
تقدم الزوجان ببلاغ إلى الشرطة، ثم انطلقا يبحثان عن السيارة والكلب في الجوار. ويقول الزوج بانكسار وحسرة: "لقد فقدنا أحد أفراد العائلة". ثم وجه نداءً مؤثراً إلى سارق السيارة: "يمكنك الاحتفاظ بالسيارة وشنطة المدام وموبايلها.. لا يهم، أرجوك أن تعيد فُزي وتتركه عند عتبة منزلنا أو تسلمه إلى عيادة بيطرية أو إلى جمعية إنسانية. ونعدل بأننا لن نلاحقك، ولن نعرّضك لأية مساءلة".
استمر بحث العائلة ومتابعات الشرطة طوال اليوم التالي، في المدينة والضواحي المجاورة. وانهالت مكالمات التعاطف والمؤازرة من الأصدقاء على العائلة، التي لم تفقد الأمل في العثور على فُزي وعودته سالماً.
بعد أيام ثلاثة من الصدمة والحزن والتوتر الذي أصاب العائلة، جاءت الأنباء السعيدة بمكالمة هاتفية من إحدى السيدات التي وصلها النداء في منطقة بعيدة.. "بشراكم لقد وجدت الكلب!". وتقول الزوجة بتأثر: "عندما تسلّمنا فُزي كان جائعاً وعطشاً ويرتجف.. لا بد أنه شهد أوقاتاً عصيبة وتعرض للأذى، فقد كان شارد الذهن أيضاً. أتمنى لو يستطيع الكلام ليخبرنا عما حدث معه في الأيام الثلاثة الماضية. نحن نتحمل كامل المسؤولية، فقد ارتكبنا خطأً كبيراً".
لكن، ماذا عن السيارة الفان موديل 2014؟ لا تزال مفقودة! في حين تم نقل الكلب إلى مركز بيطري لإجراء الفحوصات الضرورية.
لا نزال في كالغاري .. فهناك حديقة مسيّجة مطلة على ملعب غولف توفر للكلاب وأصحابها ملتقى من أجل التعارف! تمرح الكلاب مع بعضها البعض، وتعقد بينها زيجات حسب اتفاق أصحابها، وقد يمتد نسج الصداقات والعلاقات إلى المالكين أيضاً.
****
على الرغم من كل ما سبق من ميزات الكلاب ومكانتها في المجتمعات الراقية وعند أصحابها ومحبيها، ولا أنكر عليهم ذلك، إلا أن علاقتي بها تبقى حرجة للغاية. فهي لا تحبني أيضاً، إذ يبدو أنها تتقن جيداً لغة الجسد وقراءته، فتواجهني في أي موقف أو مكان بالنباح ومحاولة التفلّت من صاحبها والتهجّم عليّ، سواء الكبير منها أم الصغير بحجم قبضة اليد.. يعني شعور متبادل. لذلك فإن أحد أسئلتي لمن أعتزم زيارتهم لأول مرة هو: هل عندكم كلب. وإذا كانت الإجابة نعم، فإن مطلبي، بل رجائي أن لا يشارك الكلب في مراسم استقبالي وضيافتي.
أخيراً وليس آخراً، أرجو أن لا يظنن أحد أنني، والعياذ بالله، أقلل من شأن الكلاب، أو أستهين بحياتها، أو أسخر ممن يعتني به ويحبها. لكنها فوبيا الكلاب وقاكم الله من كل شر.. وأرجوكم أن تعتبروها مثل أي فوبيا، كالخوف من الأماكن المرتفعة، أو الزحام والأماكن المغلقة، أو ركوب البحر، أو أي عذر قد تجدونه لي، وأكون لكم من الشاكرين.