أصدرت "بين آند كومباني" دراستها السنوية الثامنة حول الخدمات المصرفية للأفراد، بالتعاون مع شركة "ريسيرتش ناو". وأشارت الدراسة، التي شملت إجراء استطلاع لآراء 133.000 عميل في 22 دولة، إلى أن حوالي نصف من استجوبت آراؤهم في هذه الدول أبدوا انفتاحهم على شراء منتجات الخدمات المالية من شركات التكنولوجيا. ويبدو هذا الأمر صحيحاً في الدول التي تكون فيها تجربة التعامل مع البنوك عملية مرهقة وتستغرق وقتاً طويلاً. فعلى سبيل المثال، عبر 91% ممن استطلعت آراؤهم في الهند و81% ممن استطلعت آراؤهم في المكسيك، عن رغبتهم في إدارة معاملاتهم المالية من خلال شركات التكنولوجيا الكبرى. كما يبدو الاهتمام بهذا الأمر كبيراً أيضاً في الدول التي لديها أنظمة مدفوعات غير بنكية مثل الصين، حيث يقوم العديد من العملاء بإجراء معاملاتهم المالية عن طريق تطبيق التواصل الاجتماعي "وي تشات" (WeChat). وأشار 88% من العملاء في الصين إلى أنهم سيقومون بإجراء معاملاتهم المالية من خلال حلول شركات التكنولوجيا.
وحتى وقت قريب، كانت بنوك الخدمات المصرفية للأفراد تراهن على التقنيات المالية المتطورة للارتقاء بخدماتها المقدمة للعملاء، إلا أن شركات التكنولوجيا الكبرى مثل "أمازون" و"آبل"  و"تنسينت" وغيرها، برزت باعتبارها التهديد الأكبر والمباشر للخدمات المصرفية للأفراد كما نعرفها اليوم.
وتشير الدراسة أيضاً إلى أن شركات التكنولوجيا حظيت بمستويات ثقة مرتفعة من جانب العملاء، حيث تصل معدلات الثقة بموقعي "باي بال" و"أمازون" بين العملاء في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، إلى مستويات تماثل ثقتهم بالبنوك فيما يتعلق بتعاملاتهم المالية.
وقال جوليان فاي، شريك ورئيس قسم الخدمات المالية في شركة "بين آند كومباني" الشرق الأوسط: "تشهد منطقة الشرق الأوسط طلباً كبيراً من جانب العملاء على التعاملات المالية الرقمية في الوقت الذي يقل فيه الاعتماد على البنوك في هذا المسعى. ويمكن للبنوك الكبرى إحداث تحول في مجال التعاملات المالية الرقمية من خلال تبني استراتيجيات رقمية مبتكرة، وبالتالي جعل منطقة الشرق الأوسط واحدة من المناطق الرائدة في هذا المجال. وعلى الرغم من المنافسة الشديدة، إلا أنه يبقى هنالك فرصة حقيقية لكسب ولاء العملاء من خلال جعل تعاملاتهم المالية مع البنوك أكثر سلاسة وسهولة."
وأضاف فاي: "تقدم التقنيات المالية منتجات مبتكرة بلا شك، لكنها تعاني كثيراً من أجل بناء مكانة للعلامة التجارية أو نموذج خدمي يستقطب العديد من العملاء. ومن ناحية أخرى، نجد أن شركات التكنولوجيا، لديها بالفعل البراعة الرقمية والعلامات التجارية المعروفة والقدرة على الوصول إلى العملاء، ما يتيح لها ميزة فريدة لتوسيع حضور علاماتها التجارية في مجال الخدمات المالية. وتقوم العديد من هذه الشركات بالفعل ببيع خدمات المدفوعات والبطاقات الائتمانية والقروض، ولهذا فمن المنطقي أن تسعى هذه الشركات إلى تقديم مجموعة من الخدمات المصرفية للأفراد في المستقبل القريب."
وفي الوقت الذي تكافح فيه البنوك التقليدية لنقل تعاملاتها من الفروع ومركز الاتصال إلى قنوات رقمية في محاولة منها لخفض التكاليف، وتلبية توقعات العملاء ومواكبة المنافسين غير التقليديين، تظهر دراسة "بين آند كومباني" أن التعاملات المالية الروتينية التي يتم تنفيذها عبر الإنترنت أو من خلال الهاتف المحمول تنخفض تكلفتها بعشرين مرة مقارنة بالخدمات المقدمة من قبل موظفي البنوك. ففي المكسيك، على سبيل المثال، يمكن لأفضل خمسة بنوك توفير ما يزيد على 500 مليون دولار في التكاليف من الفروع ومراكز الاتصال التقليدية عبر تطبيقها لأفضل المعايير المحلية والدولية، إلا أن هذه البنوك ما يزال لديها الكثير لتفعله في هذا الاتجاه.
وأشار معظم من استطلعت آراؤهم إلى أن التطبيقات والمواقع الالكترونية للخدمات المصرفية لم ترقى لأن تكون مريحة ومتعددة الوظائف وسهلة الاستخدام. وقال 45% ممن استطلعت آراؤهم في المملكة المتحدة إن الموقع الإلكتروني الخاص بالبنك الذي يتعاملون معه قدم لهم ما يحتاجونه من خدمات، في حين كانت هذه النسبة أقل فيما يتعلق باستخدام تطبيقات الهاتف المحمول الخاصة بهذه البنوك.
ويبدو ظاهرياً أن استخدام الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول بلغ مرحلة الاستقرار، إلا أن الحقيقة هي قيام العملاء بالتوقف عن استخدام تطبيقات الهاتف المحمول الخاصة بالبنوك. ومع ذلك، يبقى ارتفاع معدلات استخدام تطبيقات الهاتف المحمول غير البنكية لإجراء التعاملات المالية في ارتفاع متواصل. ففي الصين، على سبيل المثال، والتي تشهد معدلات عالية لاستخدام الهاتف المحمول، أشار 91% ممن استطلعت آراؤهم إلى أنهم قاموا بالاستعانة بتطبيق خارجي لإجراء المدفوعات، وبمعدل وسطي بلغ حوالي 10 معاملات مالية للمستخدم في سبعة أيام.
ولم تستطع البنوك التقليدية إلا مواكبة جزء يسير من التقنيات التي أحدثت نقطة تحول في الأسواق الاستهلاكية، وعلى وجه التحديد، تكنولوجيا الواقع الافتراضي وأجهزة المساعدة الشخصية الصوتية مثل "أليكسا" (Alexa) و"سيري" (Siri) و"جوجل آسيستينت" (Google Assistant)، التي لديها القدرة على أن تحل محل مراكز الاتصال في البنوك. وفي الولايات المتحدة، أشار ثلث من استطلعت آراؤهم إلى أنهم سيتوجهون إلى استخدام أجهزة المساعدة الشخصية الصوتية في تعاملاتهم المصرفية اليومية. والمثير للاهتمام، أن 5% إلى 6% من المستهلكين في استراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة يقومون بالفعل باستخدام أجهزة المساعدة الصوتية في خدماتهم المصرفية، في حين سيسعى ما بين خمس إلى ربع هؤلاء المستهلكين إلى تجربة هذه التكنولوجيا في تعاملاتهم المصرفية في المستقبل.
ومن شأن البنوك التي تسرع في تبني قنوات رقمية من أجل إنجاز المزيد من المعاملات الروتينية، أي ترحيل هذه الخدمات من الفروع ومراكز الاتصال المكلفة إلى التقنيات الرقمية، أن تكسب ثقة العملاء وتحقق وفورات في التكاليف، الأمر الذي سيجعلها في وضع أفضل للمنافسة مع شركات التكنولوجيا.
وقال فاي: "كلما زادت التعاملات المالية عبر القنوات الرقمية، كلما زاد إقبال العملاء على استخدامها بدلاً من خدمات مراكز الاتصال أو الفروع. وإن تخفيض حجم الخدمات "السيئة" في الفروع ومراكز الاتصال يتيح للبنوك إعادة استثمار المزيد من الموارد في تحسين القنوات الرقمية، مع الاحتفاظ بالموظفين من أجل التعامل مع المشاكل الشائكة."