مقطع  من قصة " بيت جدي " مجموعة " أنا وأنت " 
كانت أمي همزة الوصل بين حياتنا من قبل في شارع الجيش المنير وبيت جدي. لكن أمي سرعان ما اختفت ولم نعد نراها إلا قليلاً بعد أن قررت استكمال تعليمها، وكانت قد توقفت عن دراستها بجامعة فؤاد عندما تزوجت والدي متخيلة على ما يبدو أنها اقترنت بنجم صحافي يتلألأ أبعد ما يكون عن أرض السجون. لكنهم فاجأوها باعتقال النجم فثابت إلى رشدها وقررت استكمال دراستها لكي تجد عملاً فتؤمن لنا بمردوده مستلزمات الحياة. دبرتْ شهادة طبية بمرض نفسي فأعادوا قيدها في الكلية بعد انقطاع دام سبع سنوات. صارت تتجه من بيت جدي بالجيزة إلى الجامعة كل يوم سيرًا على قدميها. ترجع تغسل ملابسنا. تكوي. تنظف. تساعد جدتي في الطبخ. في المساء تراجع معنا دروسنا. ننام فتعكف هي على محاضرات الكلية حتى الفجر. تجرعتْ مرارة أنها مرغمة أن تعيش مع أطفالها عبئًا على معاش جدي الهزيل، وهو الذي قاطعها ثلاثة أعوام بعد أن تقدم والدي لطلب يدها فسأله جدي بعنجهية "وحضرتك أين تعمل؟". أجابه والدي بسذاجة "شاعر وكاتب"، فقال له على الفور "مادمت لا تعمل في الحكومة تبقى لامؤاخذة عواطلي. شُف لك شوفة أخرى". اتخذتْ قرارًا جريئًا بأن تهرب مع والدي وتعقد قرانها في بيت خالتها بحلوان. خاصمها جدي وحرم ذكر اسمها أمامه إلى أن ذاب غضبه من زخات الدموع التي أطلقتها جدتي. أنهتْ الكلية واشتغلتْ معلمة في مدرسة بمدينة طوخ. كانت تبيت هناك في منزل المعلمات طول الأسبوع. تأتي إلى القاهرة يوم الخميس وتسافر الجمعة. شابة حُرمت من زوجها، أمٌ حُرمت من أطفالها. لم أسمعها تشكو مرة واحدة. كنا نأكل في الإفطار والعشاء أنصاف أرغفة، وإذا تسللت أصابع أحدنا الصغيرة لأكثر من نصيبه لسعه جدي عليها بكفه الثقيلة. كان يراقب الجميع بعينين مفتوحتين وهم يأكلون ليضمن أن الخبز سيكفى الأفواه النهمة كلها وأن عدالة الفقر ستتخذ مجراها. يحدث هذا أمام عينيها. تكز على ضروسها ولا تنطق. علمنا صبرها وصمتها أن ننهض جوعى مبتسمين كأنما شبعنا. مشينا حفاة في شارع السروجي فلم يطرف لها جفن. لم تظهر ضعفًا أمامنا أبدًا. فقط كان الصداع النصفي يهاجمها بضراوة. ترقد على جنبها في حجرة نصف معتمة. تربط رأسها بمنديل تعقد طرفيه بمفتاح باب الحجرة. تطلب مني أن أجلس على السرير بالقرب منها وأضغط رأسها بجماع يدي الاثنتين. كانت روحها من القوة بحيث لم تجد الطبيعة فيها منفذًا للبكاء فراحت تلطم بدنها بصداع عنيف عوضًا عن دمع لا ينهمر. 
كل يوم خميس أرجع من المدرسة وأصعد إلى السطح. أشب بقدمي وأرتكز بمرفقي على السور. يمتد أمامي نخيل الغيطان وراء الترعة. أحدق يسارًا بنهاية الطريق أترقب ظهورها. يطن رأسي من الترقب والوقوف طويلاً في هواء ملون بوهج الشمس. أخيرًا تلوح أمي من بعيد. نقطة صغيرة تنمو نحوي. من بعيد ترفع رأسها ناظرة إلى السطح لأنها تعلم أني أنتظرها، أنتظرها ولا أفقد الأمل. تقترب وحقيبة يدها ترتطم بساقها. عندما لا يفصلها عن البيت سوى أمتار قليلة أهبط مسرعًا زاعقًا "ماما جاءت". ترانا فتمر ببصرها علينا بلهفة كأنما تطمئن على كل ضلع فينا وكل ذراع وكل عين. تلمنا بعشق بين ذراعيها المفرودتين. تغوص رؤوسنا في بطنها وبين ذراعيها. تلمع عيناها بومض يتقلب بين شوقها وشعورها بالظلم، وضرورة التماسك وأمل واهن أن كل هذا لابد أن يتبدل. تحدق  بنا بنظرة قطة إلى أبنائها بين ألسنة حريق. يلوح في عينيها سؤال "أهو قدر مكتوب؟ أم أن العالم يمكن وينبغي أن يغدو عالمًا آخر؟".