في واحدة من أوائل تغطياتي الصحافية الميدانية، وكان ذلك في النصف الثاني من عقد ثمانينيات القرن الماضي (يا للهول.. أنظروا كم كبرنا)، تأبطت ألة تسجيل صغيرة مع شريط كاسيت لإجراء مقابلة مع شخصية رسمية مهمة في إحدى المناسبات العامة.
وصلت إلى المكان، تم الافتتاح بقص الشريط التقليدي تحت وميض فلاشات المصورين، ثمجولة كبار الشخصيات والمدعوين. بعد ذلك، تحلقت أنا والزملاء من وسائل الإعلام الأخرى حول المسؤول الذي بدأ يعدل هندامه وهيأته استعداداً للحديث ويتخذ أوضاعاً مناسبة يبدو أنه تدرب عليها جيداً، خصوصاً حين رأى عدسات المصورين تتجه صوبه.
بكل فخر واعتزاز، رفعت آلة التسجيل، التي كنت قد تسلمتها من جهة عملي قبل بضعة أيام بإجراءات رسمية وتوقيع، وضغطت على مفتاح التسجيل، وقربتها من وجه المسؤول وهو يتحدث، بينما كان بقية الزملاء يسجلون ملاحظات على دفاتر صغيرة أو أوراق مبعثرة.
بدأ الزملاء طرح الأسئلة حول الحدث، وكنت أوجه آلة التسجيل نحو السائل، ثم أنقلها قريباً من فم المسؤول، الذي بدا وكأنه يتحدث للمسجل فقط.
سألت أنا بعض الأسئلة بعد أن قربت الآلة من فمي لتسجل صوتي قبل رد المسؤول. استغرق اللقاء بضع دقائق لم تتعد العشر، وانفض جمع الصحافيين كل في حال سبيله.
وصلت إلى المكتب ورتبت أوراقي. وصلت القهوة التركية وأشعلت سيجارتي (كان التدخين في المكاتب ممارسة عادية في تلك الأيام)، وبكل اطمئنان أدرت الشريط لأبدأ الكتابة على الورق، فلم يكن هناك كمبيوترات شخصية بعد. لكنني لم أسمع شيئاً. لم يلتقط "الملعون" أية كلمة، أو حتى "نحنحة"!
كم شعرت بالخيبة، وراودني إحساس من تخلّت عنه حبيبته على غير توقع. حاولت أن أتذكر شيئاً مما قاله المسؤول، لكن حالتي النفسية في تلك اللحظة حالت دون ذلك. واسترجعت كم كنت مزهواً بالمسجل أمام زملائي إلى درجة أنني لم أتابع الحديث والأسئلة جيداً. فقد كنت واثقاً من "التكنولوجيا" وان الكلام كله سيكون على شريط التسجيل.
تناولت سماعة الهاتف عن الطاولة (لم يكن هناك موبايلات)، وأدرت القرص (فقد كان للهاتف وقتها قرصاً يدار)، واتصلت بزميل من صحيفة أخرى طالباً النجدة بما تجود به نفسه. والشهادة لله أنه لم يبخل مطلقاً، فتلا عليّ تقريره كاملاً كما كتبه وسلمه إلى ديسك التحرير في صحيفته.
أعدت صياغة بعض الفقرات، وأجريت حركات تقديم وتأخير على النص منعاً للإحراج وتجنباً لتشابه أو تماثل الخبر مع تقرير الزميل في عدد الغد، ثم سلّمت تقريري مع الصور التي تلقيتها مطبوعة من قسم التصوير (لم تكن الصور الرقمية في خيال أحد وقتها) إلى رئيس القسم، الذي كتب "صفحة 2، 4 أعمدة وصورة عمودين تحت الرئيسي".
كانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي أستخدم فيها آلة التسجيل في إجراء المقابلات والتغطيات، ونحيتها جانباً. التزمت القلم والأوراق، ولا تزال تلك عادتي إلى اليوم، حيث لا يفارق القلم جيب قميصي على الإطلاق، على الرغم من توفر المبتكرات التكنولوجية المتقدمة العديدة والتسجيل الإلكتروني على الهواتف المحمولة.
الطريف في الأمر، أنني عندما تقدمت باستقالتي من الصحيفة، وفي خضم الإجراءات المتبعة في تلك الحالات، طلب مني براءة ذمة من المستودع. ذهبت إلى أمين المستودع الذي بادرني بالقول: "تفيد سجلاتنا أن في عهدتك آلة تسجيل منذ نحو 10 اعوام وينبغي عليك إعادتها قبل الحصول على براءة الذمة"!
بحثت عنها في كل مكان.. في المكتب والمنزل والسيارة، لكنني لم أعثر لها على اي أثر، فقد اختفت نهائياً وكأنها لم تكن. عدت إلى أمين المستودع، فقال ينبغي ان تدفع ثمنها. قلت له حسناً، فقيمتها الآن لا تساوي شيئاً ولو عرضها أحدهم عليّ مجاناً لما قبلتها. لكنه أصر على أن ادفع ثمنها كاملاً عندما كانت جهازاً مبتكراً يزهو به صاحبه.