من خلال تجربتي في توثيق وصياغة الحكايات الشعبية، من أجل الحفاظ على تراثنا من الضياع، وبفضل من الله تمكنت من إصدار العمل التراثي «حزاوي أمي شيخة، أحلام الطفولة» لكي تستفيد منه كل أسرة بحرينية وخليجية وعربية.

وقد تم إصدار 101 حكاية، من أصل 130، وتجمع هذا الكم من الحكايات في البحرين لأسباب عدة منها:

ان البحرين التاريخية تمتد حدودها من شمال شبه الجزيرة العربية (البصرة) إلى حدود منطقة الإحساء في شرق شبه الجزيرة العربية. كما ساهم موقع البحرين الجغرافي بوصفها مركزا تجاريا مهما على مرّ العصور في ذلك، حيث تشكل البحرين مثالا ساطعا على تقارب وتزاوج وتلاحم صلات القربى فيها بين مختلف الأقطار العربية المجاورة.

تكشف لنا الحكايات الشعبية عن مجموعة من الجوانب الأساسية السائدة في العقل الجمعي في تلك المرحلة، ولقد تناولنا في مقال سابق جوانب أربعة، الواقع الاجتماعي، والعقلية السائدة، والقيم، والعادات، وفي مقالنا الحالي، نتابع الجوانب التي تكشفها لنا الحكايات الشعبية.

خامسا: موقع المرأة

على الرغم من معاناة المرأة، إلا أنه كان لها موقعا مهما جدا، بل دور أساسي يضاهي دور الرجل ويتقدم عليه، سواء كانت المرأة أماً أو زوجة أو ابنة أو عشيقة، وسواء كان دورها يحمل في جنباته كل الخير، أو يمثل الشر، فإنها هي التي تحرك سائر الأحداث وهي المسبب الأول لتواتر الأحداث وترادفها. وهذا يدللنا على ما كانت تحظى به المرأة من مكانة كبرى.

وتظهر لنا بعض الحكايات مدى قدرة المرأة على الحركة وقوة تأثيرها وهيمنة شخصيتها، فمثلما توجد المرأة المستكينة الخاضعة لأمر زوجها أو أبيها أو أخيها، توجد المرأة المتمردة التي تترك بيت والدها مثلاً وتفر هاربة منه من أجل البحث عن مصيرها وصنع حياتها، مثل حكايتي «أم الروازن وحبيبة ماش». وفي حكاية «المسندان» تتحدث القصة عن عشيقة الشيخ (اللولبان) التي يعلم كل أفراد المجتمع بعلاقتها غير الشرعية مع الشيخ من دون أن تتعرض للأذى من قبلهم، أو قصة مثل «تثريم البصل» التي تتفق فيه الأخت مع عشاقها وتتآمر معهم على قتل أخيها.

إن معظم الحكايات تبين لنا مكانة المرأة الكبيرة وتأثيرها الأساسي وأثرها الفعلي في مسار الأحداث، سواء سلبا أم إيجابا.

سادسا: موقع الفنون

كانت الفنون تحظى بنظرة إيجابية كبيرة لدى الناس، ومن الملاحظ أن الحكايات الشعبية تكشف لنا الموقع الفاعل للفنون بكل أشكالها السائدة آنذاك، من رقص وغناء وعزف وشعر ونثر، فالفنون خير معبّر عن الواقع الاجتماعي آنذاك، حيث يلجأ الناس إليها للتعبير عما يختلج دواخلهم في جميع المناسبات، وعن كل ما ينتابهم من مشاعر وأحاسيس، فمثلما يلجأ الناس إلى الفن في مناسبات الفرح كالزواج، يلجأون إليه أيضا في وقت الضيق والألم والمعاناة.

سابعا: موقع اللغة العربية

كان للغة العربية مكانة كبرى بين العامة والخاصة، فلقد كان قرض الشعر متداولاً بين الجميع، وسلوكا يمارسه الصغير والكبير على السواء، وكان من يمارسه يحظى بالاحترام والتقدير، وكان التعبير اللغوي يتميز بالقوة والبساطة والسهولة في آن واحد لكي يسهل نقله وتداوله وحفظه، مع ملاحظة أن معظم المفردات التي كنا نعتقدها عامية تَبين لنا أنها من صلب اللغة العربية، كما كانت لديهم القدرة على التلاعب بالألفاظ.

وتظهر البلاغة واضحة في العديد من الحكايات وخاصة في المقاطع الشعرية أو النثرية المصاحبة للحكاية، مثل قصة «قاضي تها»، وهذه الأهمية الكبرى للغة العربية هي التي حدت بالأب في حكاية مثل «عطشت» أن تهون عليه روح ولده ولا يهون عليه الخطأ في اللغة العربية.

أخيراً، نلاحظ وجود منهج للحكاية، حيث تتمحور كل حكاية حول «ثيمة» أو موضوع رئيسي معين، ويمكن أن تتفرع عنها بعض الثيمات الثانوية، وهذا يوصلنا إلى وجود مقصد أو حكمة وعبرة رئيسية من الحكاية الشعبية مع وجود مقاصد ثانوية.

ولا يأتي عنوان الحكاية اعتباطيا بل يعبر عن مضمونها بشكل دقيق، كما أن أسماء شخصياتها أيضا منتقاة، ولها علاقة وثيقة بأدوارهم في الحكاية.

وتظهر الروح العالمية والإنسانية في الحكاية بوضوح، ما يدل على عمق التواصل الثقافي الحضاري والإنساني في كل زمان.

الخيال الإبداعي، وتتابع الأحداث وتسلسلها مع عدم تحديد الزمان والمكان لضمان سرمدية الحكاية.

غزارة محتوى الحكايات وتنوعها، وتعدد الأشكال والأساليب الفنية من الدراما إلى الكوميديا إلى الإثارة إلى الرعب، وكأن السامع يجلس أمام شاشة سينمائية، مما يجعل الحكاية تتغلغل في ذهن الكبير والصغير، إضافة إلى الثراء اللغوي حيث تأتي المفردات بصياغة سلسة بسيطة، وتنساب في سياق فني جميل وبصياغة لغوية في غاية الروعة والجمال والسلاسة، لتبقى أثرا لا ينمحي ولا يزول طوال الزمان، عبر الأجيال، وعلى مرّ السنين.