أوقعت حال الحزن الجمعية لرحيل الفنان الكبير عبد الحسين عبد الرضا في كافة مجتمعات الخليج العربي، ومشاعر الوفاء للرجل دعاة الفتنة المذهبية والطائفية في مجتمعاتنا في مأزق، وضيّقت الخناق على دعواتهم التي تنضح كراهية وتشفياً وتحريضاً، وأظهرت أيضاً بؤس الحال الذي أوصلتنا إليه خطاباتهم.
أكانت مجتمعاتنا في حاجةٍ لمثل هذا المصاب المؤلم برحيل هذه القامة الفنية كي تعود إلى رشدها، وتتذكر كم كنا قبل زمن ليس طويلاً بالمناسبة، لا نفتش في أصل وفصل ومذهب أي من أبنائها، وإنما ننظر لعطائه وإخلاصه لوطنه ومجتمعه، كما هي الحال مع الفنان الراحل الذي تجاوز الانتماءات المذهبية والمناطقية وسواها، وخاطب الناس جميعاً بأعماله التي ستبقى في ذاكرة الأجيال حية لن تموت، كفلذة من تاريخنا الثقافي والفني؟ 
أبناء وبنات الخليج كلهم، نساء ورجالاً، ومن مختلف الأعمار والأجيال، في حال من الوجوم والأسى لرحيل الرجل الذي أفرحهم وأدخل البهجة في نفوسهم، بكوميديا راقية، واعية، أبعد ما تكون عن الابتذال والرخص، فشعر الجميع بحالٍ من الفقد الكبير، حين علموا أن عبد الحسين عبد الرضا قد غادرهم جسداً.
ووسط هذه الحال ظهرت أصوات نشاز تسيء لذكرى الرجل وفنه وولائه لوطنه هو الذي آثر أن يبقى فيه صامداً إلى جانب شعبه حين اجتاحه صدام حسين بقواته، وحرّض أصحاب هذه الأصوات على عدم الترحم على الرجل أو الحزن عليه، في مصادرة لمشاعر الناس وأحساسيها العفوية النبيلة التي فطر عليها البشر، ساعين لتأجيج مشاعر الكراهية التي منها يقتاتون.
لكن ما يثلج الصدر ويُفرح القلب أن الناس جميعها، والنخب الثقافية والفنية في مختلف بلداننا الخليجية تداعت مستهجنة هذه الدعوات ومطالبة بتطبيق القانون على أصحابها، لما تمثله دعواتهم من إساءة ومن حثٍ على الفتنة، وقد أظهر ذلك أن بضاعة هؤلاء المغرضين قد كسدت وفقدت سوق الرواج التي ظنوا أنها باتت ملك أيديهم.
يحملنا هذا على دعوة الجميع، في المجتمع وفي أجهزة الحكومات في بلداننا، إلى توظيف مشاعر الناس النبيلة التي لمسناها في تكريس واقعٍ جديد، تمنع فيه وبصرامة خطابات بث الكراهية والفتنة من على كافة المنابر والمنصات التي تصور ما يجري في عالمنا العربي على أنها حرب بين سنة وشيعة، أو بين كافة مكونات مجتمعاتنا، وأن تُسن وتُفعّل تشريعات رادعة بوجه كل من تسول له نفسه الاتجار بهذه البضاعة، وأن يصار إلى إشاعة خطابات التسامح والعيش المشترك والمواطنة المتساوية والوحدة الوطنية.
هذا هو درس عبد الحسين عبد الرضا الذي وحّد قلوبنا وأذهاننا في حياته، وها هو يفعل الشيء نفسه في مماته، فنم، يا فناننا الكبير، قرير العين.