اقترب الصيف، وبدأت السجادة الخضراء التي تغطي السهل المجاور الواسع تتحول إلى اللون الأصفر، وأصبح موسم حصاد القمح على الأبواب. ها هم الفلاحون يستعدون الآن لجني محصولهم بالمناجل، فلم تكن آلات الحصاد قد ظهرت في البلاد بعد.
كان الصبية يترقبون الموسم للفرجة والاستمتاع بغناء الحصادين رجالاً ونساءً.. "منجلي يا منجلاه رايح ع الصايغ  جلاه، منجلي يا ابو الخرايش منجلي في الزرع طافش، منجلي يا ابو رزة إيش جابك من غزة، جابني اللي جابني، جابني حب البنات، والبنات مجدلات، أم عيون سودوات".
كان الفلاحون يجمعون القمح حزماً وأكواماً بانتظار "الدرّاسة"، وهي آلة تفصل الحب عن القش، وعندها يتجمع الصبية على البيدر للحصول على حفنة بُرّ يبادلونها ببعض السكاكر من الدكان القريب. ويقوم الفلاحون بتعبئة المحصول في أكياس، والتبن في أكياس منفصلة، ثم تأتي شاحنات لنقلها حيث تباع للتجار في المدينة المجاورة.
في ختام موسم الحصاد وجني المحصول، تخلع الأرض كسوتها ويتجلى لون التربة، بنّياً مائلاً إلى الحمرة، ومزيناً بتشعبات بقايا أعواد القش الذهبية. ويتزامن ذلك مع بداية العطلة المدرسية الصيفية وانتشار الصبية في الجوار للعب تارة بالطيارات الورقية وعربات الأسلاك البدائية وأخرى بكرة القدم، أو "الغماية" و"إخفاء الحزام" وغيرها من الألعاب الشعبية. وغالباً ما كانت الألعاب تنتهي باندلاع خلافات تتطور إلى اشتباكات يصطف فيها الأقرباء والجيران ضد الصبية من المناطق الأخرى، الذين ينسحبون أحياناً تحت وابل من الحجارة.
تمر الأيام متشابهةً لا يكسر رتابتها شيء، إلى أن تأتي الشاحنة التي تجر وراءها مقطورة تحمل ماكينة ضخمة، تغرسها في السهل مثل وحش خرافي عملاق أو أشبه بمركبة فضائية تتأهب للانطلاق. تغادر الشاحنة، وينشط العمال الذين وصلوا على متنها أولاً في نصب خيمة ستكون مقراً لسكناهم وراحتهم لأسبوعين وربما ثلاثة، ثم يبدأون في تثبيت الماكينة بدق أوتاد حولها ثم ربطها بالحبال والأسلاك المعدنية.
وصول "ماكينة الشرايط" كان أشبه بمهرجان احتفالي كبير لصبية الحي والمنطقة، الذين يتجمعون من كل حدب وصوب ويرابطون حول الموقع يومياً، منتظرين إشارة من العمال لطلب المساعدة أو إحضار ماء للشرب. كانت الألعاب الشعبية و"الأنشطة الشيطانية" الأخرى تتوقف تماماً، ويقتصر الأمر تقريباً على متابعة "العمليات" من الصباح وحتى هبوط الظلام.
"ماكينة الشرايط" عبارة عن مطحنة للملابس والمنسوجات والأقمشة البالية وقطع الفراش المهترئة. وينتظر السكان، وجلّهم من العائلات المستورة، وصول الماكينة في موعدها الصيفي لندف وحلج ما يجمعونه من هذه القطع واستخدامها بطانات للحشايا والوسائد والأغطية. فالقطن أو الصوف الذي يستخدم عادة لهذه الغاية غالي الثمن، ولا يقدر على تكلفته بسطاء الناس من قاطني الحي والجوار.
أنباء وصول "ماكينة الشرايط" كانت تعم المنطقة والقرى المجاورة سريعاً، وكان الصبية يتكفلون بنشر الخبر لمن لم يقدّر له مشاهدة حدث الساعة بأم عينيه، بل كانوا يقومون أيضاً بالترويج للعمليات وإبلاغ الناس بذلك، والاستفسار من ربات البيوت إن كان لديهن مزقٌ يردن طحنها، ومتى يرغبن في التوجه إلى الموقع.. مع استعدادهم التام لمد يد العون والمساعدة في الذهاب والعودة.
في صباح اليوم التالي لوصول "ماكينة الشرايط"، يبدأ الزبائن، وغالبيتهم من النسوة، في التوافد على الموقع حاملين أكياساً بها بعض الأغطية القديمة والملابس التي أعيد تدويرها واستخدامها من مختلف الأجيال داخل الأسرة، من الأكبر إلى الأصغر، حتى لم يعد في الإمكان الاستفادة منها إلا كحشوات للأثاث فقط. وكان يواكب كل امرأة عدد من الصبية يساعدونها في حمل الأسمال وتوجيه "النصائح والإرشادات"، أو يوجهونها للوصول إلى الموقع وتقديمها للعمال، وكأنهم هم الذين أتوا بالزبونة، ثم ينقلبون لاستقبال زبون آخر، وهكذا دواليك على مدى اليوم.
بعض النسوة يأتين للعمال بإبريق شاي، أو طعام بسيط، وكانوا يستقبلون مثل هذه اللفتات بالشكر والامتنان، وربما خصم قرش واحد من أجرة طحن الملابس.
يجلب الرجال العاملون على "ماكينة الشرايط" معهم أيضاً مزق ملابس وقطع منسوجات لطحنها وبيعها لمن ليس لديهم ثياب بالية. وكان الصبية يفعلون المستحيل ويجهدون أنفسهم بحثاُ عن بعض القطع الملقاة هنا وهناك- على قلّتها- والتفاخر بتقديمها للعمال، إلى درجة أن أحدهم "سرق" بعض المخلفات من بيته وأتى بها مزهواً. وحين كان العمال يتناولون قطعة من يد أحدهم ويلقون بها في الماكينة، فإن الفرحة كانت تغمر الصبي الذي أتى بها، خصوصاً إذا حظي بالشكر والثناء.
مع حلول المساء ومجيء العتمة، يتوقف سيل الزبائن، ينفض الجمع ويبدأ العمال في تحضير طعامهم، ويعود الصبية إلى بيوتهم منهكين، وقد تلبدت فتحات أنوفهم وآذانهم وشعر رؤوسهم بنثار الأنسجة والخيوط المتطايرة من ماكينة الشرايط. وبعد تناولهم ما تيسر من طعام عشاء بسيط، سرعان ما يخلدون إلى النوم استعداداً ليوم حافل آخر.
بعد مرور نحو أسبوع أو عشرة أيام على وصولها، أو حين يشعر الصبية بخفوت تردد الزبائن على "ماكينة الشرايط"، كانوا يدركون أن وقت رحيلها قد حان، ويبدأون في طرح التساؤلات على العمال عن موعد المغادرة. وعندما تعود الشاحنة، يبدأ الصبية في التجمع، لكن بصمت هذه المرة بدلاً من الحماسة التي استقبلوا بها الماكينة. وينشغل العمال في تفكيك الخيمة ونزع الأوتاد المثبتة للماكينة، ثم وصلها مع الشاحنة، التي تنطلق بها ربما إلى موقع آخر.
أنظار الصبية تشيّع الماكينة وعمّالها على أمل اللقاء في العام التالي. لكن ذلك لم يحدث، فقد ضاع ما تبقّى من فلسطين مع بداية الصيف، ولم تعد "ماكينة الشرايط" ثانيةً.. اختفت واختفى معها الكثير من متعهم الصغيرة.. بل والكبيرة فيما بعد، فقد تحول السهل الأخضر إلى غابة اسمنتية.