في ظلامٍ دامسٍ مقصود، تلمَّست طريقها إلى النوم، بين كومة ملابسٍ ملقاة عشوائياً فوق السرير، وكأنها تبحث عن هدية مفخخة فقدتها باسم رضيعها «الخِرْنِق» كنايةً عن طفل الأرنب الذي غادر أحشائها ميتاً، بعدما شن حرباً بيولوجية في جسدها لتسعة أشهر، بينما لا تزال تنتظره في خيالها، مصدقةً أنه الآن يرقد بجوارها، ويزمّ شفتيه الدقيقتين، حالماً بصدرٍ طافحٍ بالحليب، فابتسمت بصعوبةٍ، تصارع عضلات وجهها المعترضة على ابتسامتها، تناولت قرصاً مهدئاً، وركزَّت على هلوستها السمعية، حول شخير صغيرها حتى نامت بعمق شديد، يقطعه استيقاظها من ساعةٍ لأخرى لتفريغ شحنات بكائها بلا دموع.
صباح اليوم التالي، ارتدت فستاناً التقفته من الأرض دون أن تدرك لونه، حاولت منح بشرتها لوناً مشرقاً لكن بذور الإجهاض برزت تحت المكياج، أصبحت أكثر شحوباً وضعفاً وتعباً واكتئاباً، فتكفَّلت دموعها بغسل الباقي، وانشغلت بتتبع انتفاخ بطنها المتلاشي، ومراقبة شرايين عنقها الزرقاء النافرة، على انعكاسات نافذة غرفة الجلوس، صرخت: (أظنني لم أذهب إلى الجحيم، ولكنني حملته!).
الجنين إذا مات بعد نفخ الروح فيه يُعد إنساناً، كما أنه بإذن الله يشفع لوالديه يوم القيامة، لذا لا بأس بالحزن على فقدانه شرط عدم المبالغة، فحقيقة الآخرة تسعدنا ونسعدها، ولا حقيقة لدنيا تُحزننا ونحزنها!