في منطقةٍ يصعب فيها سماع هدير الأمواج، تخلّت عن نعليها لرمال الشاطئ بلا مقابل، غاصت قدماها منذ أول خطوة، ارتفع الماء فوقها مع كل تقدمٍ للأمام، سبقها البلل إلى حدود كتفيها، مدّت ذراعيها بصعوبة تحمل جسدها المُثقل إلى سطح قاربٍ مهجور، احتضنت قصبة خشبية طويلة التصق بطرفها بعض الطحالب البحرية، وهي ضامّة ركبتيها إلى صدرها، لعلّها تخفي شفافية تفاصيلها المبتلة عن عيون الظلام.
هناك، حيث اللامكان، هاج القارب برغم هدوء البحر، فسقَطَت إرادتها بإرادتِها لتحكي لنفسها قصة الرحيل الأخير، تاركة روحها مستقرةً في الأعماق قبل السماء! وحول رقبتها قصاصة ورقية تخبرنا عن لغز انتحار (الأرملة السوداء)! تماماً كأنثى العنكبوت التي نسجت شباكها حول (الهيجمانة) وهو الذكر العنكب، فإذا تم موسم التكاثر التهمته للحصول على البروتين المفيد لذريتها القادمة، والعجيب أنه وفقاً لقوانين الأحوال الشخصية لم يقوَ على إنقاذ حياته من شريكة حياته، مؤكداً بهزيمته خرافة [السبايدرمان]!
هكذا، سرقت أطفاله، وبدَّدت ماله، وأحرقت باله، وأهلكت حاله، بعدما دفنت ضميرها وورقة طلاقهما في قبرٍ واحد، ثم استمر الحال سنيناً، حتى أدركت خسائرها حنيناً، يُذكِّرها بالذي مضى، وبظلمها حين قضى، فعمّت داخلها الفوضى، وتحوّل الرفض إلى الرضى، فأيقنت أنها انتحرت مذ خانت نبضها ونبضه.