منذ أسابيع وأنا أعاني اضطرابات شديدة في النوم قلبت كل موازيني وغيّرت تفاصيل يومي، حاولت التخلّص من هذا الاضطراب بكل الوسائل السلمية، من شرب اللبن قبل النوم، لعب الرياضة، الاستغفار، سماع الموسيقى الهادئة، قراءة الكتب، وعدم استخدام التكنولوجيا بعد العشاء. طبعاً جميع هذه الطرق باءت بالفشل، فظلّ التفكير مستعراً والعقل مستيقظاً والأرق فاتحاً دكانه يرتّب الأفكار ويقلب المشروعات على الرفوف. أخيراً لجأت إلى صيدلية قريبة فأعطاني الشاب المناوب علاجاً للتحسس، لكنه يجلب النعاس من «ذيله»، وليس له أية آثار جانبية على ذمّته. قبل النوم بساعة أخذت الحبّة الأولى، تباطأ صوت ماكنات الدماغ، زاد التثاؤب، بدأت الجفون تتمدد وترتخي، تشدّ ثم تثقل تباعاً إلى أن غفوت تماماً، صحوتُ في اليوم التالي، بعد أن أمضيت تسع ساعات من النوم المتواصل.

أعجبتني القصة، عدتُ مساءً إلى الشاب الصيدلاني نفسه وشكرته على وصفته الجيدة، وعندما سألني عن طول مدّة النوم، أحصى ساعات نومي على أصابعه وتعجّب من طولها، ثم سألته إن كان باستطاعته أن يؤمّن لي قرص منوّم أكبر من الذي تناولته بكثير، قرص منوّم باتساع الطبق اللاقط، يعني ألا يقل قطره عن متر على الأقل، ولا تنقص سماكته عن 20 سم. استغرب هذا الطلب وسألني عن حاجتي لمثل هذا القرص.

لكثرة ما أتابع على القنوات العربية، من خلاف ودمار وتشريد ودول محترقة، انتخابات مزوّرة، إيرادات مصادرة، عصابات تحل محل الأنظمة، هدن فاشلة بين الأشقاء وسلام دائم ومزدهر بين الأعداء، صرتُ بحاجة إلى حبّة منوّم ضخمة تنيّمني تسع سنوات أو تسعة عقود، إن لزم الأمر، فلا معنى للسنين إن لم تكلل بإنجاز. أحتاج إلى غفوة طويلة، أصحو بعدها فأرى العراق عراقنا الذي كنا نعرفه، والشام شامنا التي نعرفها. نريد أن نرى المواطن العربي كامل الحقوق، كما هو كامل الواجبات، لا يفكر في الهجرة أو اللجوء مهما تدفّقت الإغراءات، يتنقل بين الاتحاد العربي كما هو الاتحاد الأوروبي، لا يعرف الدولة إلا من لافتات الترحيب. أريد أن أغفو تسع سنوات أو تسعة عقود، وأرى العربي جالساً على مقعده المخصص في الحافلة، وهذه أبسط الحقوق. 100 عام والعرب يصعدون الحافلات وقوفاً، وينتظرون رغيفهم على الطابور وقوفاً. يموتون في أوطانهم وقوفاً كذلك. فقط أريد أن أنام وأصحو وأرى العربي يجلس بمكان ما في وطنه المتحرك.

نقلا عن الأمارات اليوم