الوقاية خير من العلاج، حماية البيئة والبشر خير ألف مرة من صرف ملايين الدنانير على علاج الأمراض، والتقارير الطبية تُجمع على زيادة نسبة الوفيات بسبب الأمراض، وخصوصاً السرطان، الذي يأتي في المرتبة الثانية كمسبب للموت بعد مرض القلب. ويشير بعض التقارير إلى أن بعض الدول ترتفع فيها النسبة، كالعراق والبحرين وغزة، حتى اعتاد الناس على سماع خبر يومي بإصابة قريب أو وفاة صديق بهذا المرض الخبيث.

والأسباب كثيرة طبعاً، منها مخلفات الحروب التي أسقطوها علينا، إضافة إلى السلوكيات الخاطئة للمواطنين، مثل التدخين وقلة الحركة والإفراط في تناول الأغذية المشبعة بالدهون، لكن السبب الأهم تلوث البيئة.

فبعد أن كان يتقاطر على البحرين الناس من كل حدب وصوب لجمال طبيعتها، ويلجأون لها لدفن موتاهم، لإيمانهم الراسخ بأنها أرض الخلود، الأرض التي لا ينعق فيها غراب ولا يمرض أو يشيخ المرء فيها.

ها هي هذه الأرض تصبح من أكثر الدول العربية تلوثاً، ربما بسبب صغر مساحتها، إضافة إلى كثرة المحروقات فيها، وقلة المساحة الخضراء، فالحزام الأخضر تآكل ولم يعد أخضرا، لقد تحول إلى الأصفر أو إلى البني القاتم، أما الطقس فهو مشبع دوما بالغبار والرطوبة حتى يكاد يكون المرء غير قادر على التنفس واستنشاق الهواء صيفا، وهذه السحابة المغبرة التي لا تبارح السماء حتى نكاد لا نرى النجوم إلا لماما تُعّبر عن حجم التلوث، من الرفاع حتى الحد مرورا بسترة.

أما البحر فحدث ولا حرج، لم يبق بحراً أصلاً، فكل ما هو موجود مكب لمخلفات البشر، ومستنقعات مغطاة بالرمال المتحركة، نتجت عن ردم البحر وتجريفه ودفنه بأحدث التكنولوجيا المتفننة في قتل الكائنات البحرية، حتى أصبح السمك نادراً كالذهب أو ملوثاً، وصرنا نستورده بعد أن كان بحرنا مشهورا بلذة منتجاته البحرية وتميزها عن بحار الدنيا، بسبب ارتفاع نسبة الملوحة، ووجود منابع الماء العذب الرقراق المتدفق من وسط الماء المالح.

حتى الثمانينات كان الأطفال ينزلون إلى ساحل البحر ويمشون على أقدامهم ليملأوا جيوبهم بشتى الأنواع المختلفة من الحلزون والقواقع البحرية ليعودوا إلى بيوتهم ويستمتعوا بطعمها اللذيذ، أما الآن فالمناطق البحرية التي يمكن أن يجازف الأطفال بدخولها قليلة، وإذا قطع الصيادين المحترفين نصف البحر، فلن يجدوا حتى قوقعة واحدة، ذلك لأن مراكز تكاثرها في الأحياد البحرية، وبما أن البحر دُفن واستخدمت آلات الحفر الشرسة لتقطيع أحجاره وأوصاله، لذا لم تتبق أي بيئة خصبة تعيش أو تتكاثر عليها القواقع.

والجميع يعلم أن البيئة البحرية سلسلة غذائية مترابطة ومتكاملة، لأن الكائنات الكبيرة تتغذى على الصغيرة، فإذا انتفت الصغيرة ماتت الكبيرة، وبالتالي من الطبيعي أن تقل نسبة الأسماك في بحارنا، ولا نعلم كم من الزمن تبقى لكي تندثر تماما الثروة البحرية في بلادنا، بفعل الشراهة العمياء لجني الملايين على حساب البلاد والعباد.

أناشد كل مسؤول لديه ضمير حي، وكل من يعيش على أرض الخليج العربي، ويأكل من خيره، لأن الخير يعم والشر يعم أيضا، وكلنا راع ومسؤول عن رعيته، أناشدكم أرفعوا صوتكم، لوقف عمليات الحفر والردم للبحر، وسن القوانين الملزمة لمنع رمي المخلفات بكل أنواعها في البحر، لكي ننقذ ما تبقى من ثروتنا البحرية.

كما أتمنى أن يتم وقف صيد الربيان، وفي تصريحين بتاريخ 2 ابريل 2017، لمدير إدارة الثروة السمكية والثروة البحرية جاسم القصير يقول: إن المخزون السمكي في البحرين شارف على الانهيار، ولرئيس جمعية الصيادين المحترفين وحيد الدوسري يقول: إن الجمعية رصدت شبكات منظمة تعمل على تهريب الربيان عبر سيارات مجهزة بمخابئ تتسع لتعبئة نصف الطن من الربيان عبر جسر الملك فهد، وهناك شبكات منظمة أيضا تعمل على صيد الربيان بطريقة مضرة جدا للبيئة.

بل وحتى طريقة صيد الأسماك خاطئة وتؤثر سلبا على البيئة البحرية وتزيد من التلوث، وهي ما يسمى شعبيا طريقة المشد، حيث ينصب كل صياد مشده الخاص لاصطياد السمك مثل هياكل وإطارات السيارات، ما يسبب في تلوث المنطقة التي يستملكها، هذا ناهيك عن التلوث الهائل في خليج توبلي الذي كان حيدا لوضع بيوض الأسماك، وأغلب الشعب المرجانية تم جرفها، وأصبحت المناطق الصالحة لتكاثر الكائنات البحرية نادرة جدا.

ولقد استحدثت طريقة جديدة تقلل من التلوث البحري تسمى بيوت الأسماك الصناعية، وعلى الجهات المعنية أن توجه الجميع لاستخدام الطريقة الصحيحة للصيد من أجل حماية بيئتنا، ثم إن الأسماك تتغذى على الربيان، وكل كيلو ربيان نأكله نخسر معه 24 كيلوغراماً من الأسماك، فماذا نخسر نحن البشر لو لم نأكل الربيان؟ خصوصاً وإن أكله يسبب مرض الكوليسترول.

إن علينا جميعا تقع المسؤولية وعلينا التحرك لإنقاذ ما تبقى إنقاذه قبل فوات الأوان. فهل من مجيب؟