حضر عمال إلى دكان أبي عادل في حارتنا، وبدأوا في تنظيفه ثم طلائه باللون الأبيض. كان الدكان مهجوراً منذ أكثر من سنتين، بعد أن تركه صاحبه وسافر مع عائلته للعمل في الخارج. في اليوم التالي، جاء عاملان معهما أسلاك وبعض الأدوات، وأوصلوا الكهرباء إلى الدكان ثم أقفلوه.
بعد بضعة أيام، توقفت شاحنة أمام الدكان، وترجّل منها "الحاج أبو خليل" الذي كان جالساً إلى جوار السائق، في حين باشر عمّال كانوا يركبون في الخلف إنزال صندوقين خشبيين كبيرين من الشاحنة. تجمّعنا لنرى ماذا يحدث في حارتنا، لنعود إلى بيوتنا ونروي التطورات ونزيد عليها، فقد كنا في ذلك الوقت أحد المصادر المهمة لنقل وتداول الأخبار. غادر العمال على متن الشاحنة، وباشر الحاج أبو خليل فتح الصندوق الأول بمعاونة عدد من الشبان الذين كانوا ينتظرون وصوله. كنا نراقب عن كثب نزع المسامير والأطواق الحديدية الملتفة حول الصندوق والفضول يقتلنا، ذلك أننا لم نكن قادرين على الاقتراب كثيراً لأن الحاج أبا خليل كان يصرخ فينا طالباً منا الابتعاد كلما تقدمنا قليلاً.
بدأت ملامح محتويات الصندوق تتجلى أمام أعيننا.. صندوق معدني أبيض، يتدلى منه سلك أسود، قال لنا الحاج أبو خليل إنها ثلاجة  لحفظ حبات "الأسكمو"، كنا نرى الـ"ديب فريزر" لأول مرة. وقال أيضاً إنه سيكون الوكيل والموزع لهذه المثلجات المنكّهة التي نحبها ونسارع إلى شرائها في الصيف حالما نحصل على التعريفة (خمسة فلوس).
الحاج أبو خليل جار بعيد، ربما قارب السبعين من العمر، له بنون وبنات وحفدة. لكنه على الرغم من ذلك يبدو قوي البينة متورد الوجه، يلبس البنطلون، على عكس مجايليه الذين يرتدون "القمباز"، ويعتمر الكوفية البيضاء والعقال. يمشي سريع الخطو منتصب القامة، عاقداً يديه خلف ظهره وحاملاً مسبحته بيده. كنا نلقي عليه التحية إذا مر بجوارنا ونحن نلعب في الحارة كما تعودنا في تلك الأيام.
ما أدهش عقولنا الصغيرة أننا نشتري "الأسكمو" عادةً من الباعة الجائلين الذين يحملون العلب على أكتافهم، وهم من الأولاد الأكبر منا سناً، فكيف سنأخذها الآن من دكان أبي عادل سابقاً، الذي سيصبح الآن دكان الحاج أبي خليل؟
نقل الشبان الثلاجة إلى داخل الدكان، فاقتربنا أكثر لنرى ماذا يضم الصندوق الآخر. مع إزالة الغطاء، أدركنا على الفور أنها "علب الأسكمو"، وهي عبارة عن علب معدنية اسطوانية مركّب عليها حزام جلدي لحملها على الكتف، وفي قلب كل منها زجاجة كبيرة معزولة بالقش وحافظة للحرارة "ثيرموس" ولها غطاء عازل من الفلين، ومماثلة لتلك العلب التي يدور بها الأطفال الكبار في الحارات لبيع الأسكمو.
في ضحى اليوم التالي، وصلت الشاحنة ذاتها، وعلى متنها هذه المرة صناديق كرتونية صغيرة الحجم، توقفت أمام الدكان، وبدأ العمال في نقل العلب الكرتونية إلى الداخل وتفريغ محتوياتها في الثلاجة. وما هي إلا لحظات، حتى تجمع أمام الدكان حشد من الأولاد الكبار. طلب منهم الحاج أبو خليل الانتظار في الخارج، جلس على كرسي خشبي، الثلاجة عن يمينه والعلب على يساره، وبدأ الأولاد في الدخول واحداً تلو الاخر.
كان الحاج أبو خليل يجري مقابلات شخصية للأولاد تبدأ بالسؤال الأهم وهو: "إبن مين إنت يا ولد؟"، فهو يعرف معظم سكان البلدة، والباقون هم يعرفونه. الأسئلة الأخرى كانت عما إذا عمل الولد سابقاً في بيع الأسكمو، ومع من تعامل في المدينة المجاورة؟ فقد كان هناك ثلاثة "مصانع" للأسكمو، وربما أراد الحاج أبو خليل بحنكته أن "يجنّد" الأولاد العاملين مع المصنعين المنافسين ليحد من انتشارهما ومن بيع منتجاتهما في المنطقة.
المقابلة كانت تنتهي إما بصرف الولد منذ الوهلة الأولى بالنظر إلى هيئته والشك في قدرته على تحمّل مسؤولية المحافظة على العلبة والدفاع عن البضاعة، وإما بتسليمه علبة، بداخلها عدد محدد من حبات الأسكمو المركّبة على عيدان خشبية والملفوفة بأوراق شفافة تظهر ألوانها الحمراء والصفراء والبرتقالية. ينطلق الأولاد بعد ذلك إلى الحارات والمناطق المجاورة، ثم يعودون فرادى بعد أن يتمّوا بيع ما تحتويه علبهم لكي يسلموا الإيراد إلى الحاج أبي خليل، مع احتفاظهم بقروش قليلة هي الربح الذي جنوه. كان البعض منهم يعود سريعاً ليملأ علبته بكمية ثانية، في حين يطول غياب آخرين ريثما ينتهون من تصريف بضاعتهم.
صار مشهد الشاحنة التي تأتي بالأسكمو داخل الصناديق الكرتونية مألوفاً في الحارة، وتعودنا على حركة الأولاد الكبار الذين يتسلمون العلب صباحاً ويعيدونها بعد الظهر. كما أصبح لنا في الحارة ميزة فريدة على أطفال الحارات الأخرى، وهي إمكانية الشراء مباشرة من دكان الحاج ابي خليل المفتوح على الدوام. لم نكن بحاجة إلى انتظار الباعة الجائلين الذين غابوا تماماً عن حارتنا. كان الحاج أبو خليل لا يبرح دكانه، يبقي جالساً على كرسيه الخشبي، المغطى بسجادة الصلاة، وبيده مسبحته الطويلة، ويحضر له أحد أولاده الكبار طعام الغداء. وعندما كنا نأتي لنشتري الأسكمو، كان يأخذ النقود منا، ويسمح لنا بفتح الثلاجة لاختيار الحبة التي نريد، وهي مهمة عظمى كنا نتسابق للظفر بتنفيذها.
كان الحاج أبو خليل دائم القلق من انقطاع الكهرباء، وكان يطلب منا حين نفتح باب الثلاجة تناول ما نحتاجه وإغلاقها بسرعة، ويقول لنا من حين إلى آخر، كأنما يحدّث نفسه: "أتدرون ماذا سيحصل إذا انقطع التيار الكهربائي؟ ويردّد: سوف تذوب حبات الأسكمو ويخرب بيتي.. سأخسر كثيراً". لذلك كان يحرص على إحضار الكمية المناسبة للتوزيع في العلب مع الأولاد، ويبقي على كمية صغيرة في الثلاجة للبيع المباشر.
كما كان ينصح الأولاد عند تسليمهم البضاعة بعدم نزع غطاء العلبة إلا عند البيع وبعد تسلم "التعريفة" من المشتري، ومناولته الحبة بسرعة خاطفة خوفاً على حبات الأسكمو من الذوبان. كان يحذرهم أيضاً بأن ذلك يعني الخسارة لهم، فقد كان يحتفظ بمبلغ من كل ولد على سبيل "التأمين"، ويهددهم بوقف التعامل إذا حدث ذلك. فقائمة الانتظار من راغبي العمل طويلة في ظل محدودية أعداد العلب. أما المحافظة على سلامة العلبة، فهي المهمة الرئيسة للبائع، فالعلبة ثمينة، خصوصاً قلبها الزجاجي القابل للكسر.
في أحد الأيام، كنا متوجهين إلى الدكان لشراء المثلجات قبيل العصر. سمعنا صراخاً عالياً وصوت شخص يرجو الرحمة ويطلب النجدة. كان الصوت صادراً من الدكان. مع وصولنا إلى الباب، بدأت الصورة تنجلي رويداً رويداً... الحاج أبو خليل يضرب "اسماعيل" بقسوة ضرباً مبرحاً، لكماً ورفساً، ويصرخ فيه معنفاً إياه وقد طرحه أرضاً، بدأ الآن يدوسه بقدميه إلى درجة أن ملابسه تمزقت وسال الدم من أنفه وأسنانه. لم يأبه الحاج أبو خليل بوجودنا وقد تجمعنا عند الباب نراقب ما يحدث أمامنا، ولم تأخذه رحمة بالفتى الملقى على الأرض ولم يستجب لتوسلاته وصراخه "والله يا حاج العلبة فقعت وأنا حاملها".
تصادف في تلك اللحظة مرور الحاجة أم علي من أمام الدكان، فاتجهت إلى حيث الصوت. أفسحنا لها الطريق، أطلت على مشهد التعذيب المرعب. شهقت العجوز، وصرخت بأعلى صوتها ودقّت بيدها على صدرها: "يا كَشَلي.. قتلت الصبي يا حاج". عندها توقف الحاج أبو خليل عن الضرب، وارتخت يده القابضة على اسماعيل، الذي انطلق بدوره خارجاً من الباب كالسهم ومطلقاً سيلاً من الشتائم والتهديدات.
وقف الحاج أبو خليل خارج الدكان يغمره العرق، وقد سقط عقاله وكوفيته البيضاء على الأرض. بقينا متسمرين في أماكننا أمام الدكان بعد أن أرعبنا فاصل التعذيب. ربما لم تعد لدينا رغبة في شراء الأسكمو. بعد لحظة صمت استمرت طويلاً، تجرأ أحدنا، ومن المؤكد أنه كان ينطق بلسان الجميع، وسأل أبا خليل، ربما بفضول الأطفال: ماذا فعل إسماعيل؟ أجاب ببرود وبصوت خافت: كسر العلبة!

*يا كَشَلي: أو "يا كشيلي"عبارة مستخدمة في فلسطين تعني "يا ويلي"، ربما الآن لم يعد ينطقها أو يسمعها أو يعرف معناها الكثيرون.