يعرف الجميع أن الفراشة من أرق الكائنات الحيّة وأكثرها جمالاً، وأنها من الرقة والعذوبة إلى حدٍ يتناسب مع نواميس حياتها المغايرة لكل الكائنات، فالفراشة لا تقْتات إلا من رحيق الأزهار، ونمط الغذاء الذي تعتمد عليه يدل على النبل والإقلال معاً، فالفراشة رشيقة بطبيعتها، خفيفة الوزن، تكاد أن تصبح مجرد أجنحة ملونة وزاهية، والذين يعرفون أنواع الفراشات يتعجبون من تلاوين أجنحتها، حتى أن النوع الواحد من الفراشات يتميز الواحد منها عن الآخر بخطوط تكاد تشبه بصمة الأصبع الآدمية، فلا فراشة إلا ولها خصوصيتها الجمالية، ولا نوع من أنواع الفراشات إلا وله ألوانه الخاصة به .
وكما تتعدد طبائع البشر تتعدد طبائع الفراشات من حيت سرعة الطيران أو المدى الذي تصل إليه في العلو، أو النوع النباتي الذي تفضل رحيق أزهاره، غير أن هذا التنوع الكبير في طبائع الفراشات لا يلغي واحدية المنشأ والطبيعة، فالفراشة أقرب الكائنات إلى النور.. تحب الضياء وتبحث عنه، بل أنها تتماهى مع النور حد الإحتراق ، وهو ما حدا بالمتصوف الإشكالي " الحلاج " إلى أن يضع الفراشة في بداية نصه المعروف ب " الطواسين " (( الطواسين : جمع حرفي ط ، س ، وهو نسق إعتمده الحلاج لكتابة نص مفتوح يقدم فيه رؤيته للوجود والماوراء )) ، واعتبر الحلاج أن تحليق الفراشة حول النور ترميز لدوران الإنسان حول الحقيقة بحثاً عنها، فإذا بلغ الواحد منا إلى مثابة تلك الفراشات في العشق التام للنور والضياء، ينخلع عن ذاته، وينسكب في الحقيقة الكلية، متماهياً معها، ونافياً لوجوده الفيزيائي المحدود، اتصالاً مع الوجود الحقيقي الذي يتجاوز المرئي ، بل إرتقاءً إلى المِثال  .
يعتقد الحلاج أن انتفاء الذات أشبه ما يكون بانتفاء اليرقة لتفتح الباب لانبجاس حياة جديدة لفراشة زاهية، فاليرقة شرهة نهمة.. تقضي دورة حياتها في التهام أوراق الشجر كما لو أنها خلقت لتأكل فقط، فإذا ما بلغت درجة معيّنة من التشبّع واستهلكت عمرها الافتراضي تشرْنقت نافية وجودها الفيزيائي، ومبشرة بميلاد مخلوق جديد، يختلف جذرياً عن اليرقة الشرهة النهمة، فالفراشة التي جاءت من تضاعيف حيوات اليرقة المغايرة تماماً لسلفها ترينا أن الحياة مراتب ودرجات، وان أنساقها قابليات للتغيير والتغيّر، وأن المشيئة اقتضت أن يتحول النهم إلى مُقل، والكبير إلى صغير، والزاحف إلى طائر، وفي تلك المتواليات لطائف كثيرة وإشارات جليلة يعلمها كل حصيف لبيب .
كثيراً من الناس يشْبهون اليرقات في سلوكهم الإفتراسي، وحبهم للملذات ، وانتظام حياتهم عبر الغريزة المجردة ، وهؤلاء ينتشرون بين ظهرانينا كما تنتشر اليرقات في الحقول، والقليل القليل منهم يمتلكون طبائع الفراشة، وهؤلاء نفر من الناس يرون أبعد مما يراه الزاحفون على بطونهم.. المستسلمون لغرائزهم، كما أنهم يتميزون بجمال الشكل والمضمون، وينشرون أريجاً جميلاً أينما حلّوا وارتحلوا، ويباشرون البهاء صباح مساء، فيما يحترقون من أجل السمو والنبل.
فتّشوا بين ظهرانيكم وستجدون أشباه اليرقات، وقلة قليلة من الذين كالفراشات، وقد أبحر المحلّقون مع هذه الحقيقة فقرنوا الرائي الجميل بعوالم الطير وتحليقاتهم، كما رأينا عند فريد الدين العطار في كتابه "منطق الطير"،   وكما قرأنا عند الإمام محمد ابن محمد حامد الغزالي في رسالته  "رسالة الطير" ، وكما كتب الحلاج في طواسينه عن الفراشة، وكما شطح البسطامي غير مرة وهو يحلق بجناحي طير .