تعود بي الذاكرة إلى منتصف الأربعينات وأنا غلام صغير في العاشرة من عمري، أو نحو ذلك، نلهو ونمرح في منطقة السبيخة، قلب ديرة النابض، تعج بالرائح والغادي من القوافل القادمة من البراري المحيطة بمدينة دبي، في صباح كل يوم، وحمائل هذه القوافل تتوقف على الموسم، ففي الصيف بالإضافة إلى علف التمام للمشاية والأحطاب والصخام (الفحم)، تأتي القوافل من مناطق الذيد ورأس الخيمة والفجيرة، بالرطب الجني اللذيذ المعبأ في أوعية من خوص النخل الذي يتميز بحفظ التمر طازجاً طوال الوقت الذي تمكثه في الطريق إلى دبي والشارقة، وعادة لم يكن يقل عن ثلاثة إلى أربعة أيام بلياليها إذا كانت القافلة قادمة من الأطراف الجبلية في مناطق الفجيرة ودبا.. كما كان الصيف موسماً للهمبا أو المانجا البلدية اللذيذة الصغيرة الحجم، وعلى فكرة فإن الهمبا هي الاسم الصحيح لهذه الفاكهة التي يسميها الإنجليز ملكة الفواكه أو Queen of Fruits
لأن الهمبا فاكهة هندية الأصل، وعرفت في بلاد الهند منذ أكثر من أربعة آلاف عام ورسمها الهنود الأوائل في معابدهم، كذلك فإن الليمون والترنج (الأوترودج) كانا مصاحبين للمانجا على ظهور الجمال ودواب البغال و الحمير القادمة إلى السبيخة.
وكانت السبيخة تحيط بها دكاكين للمواد الغذائية والخردوات والملابس الخفيفة، وفي وسطها الساحة الكبيرة المفتوحة التي تترك فيها الجمال والدواب والمواشي، وكنا نرى من النادر أن يمكث البدوي ليلته في المدينة، وكل القوافل كانت ترحل عائدة إلى الصحراء بعد غروب الشمس. ولصاحبكم كاتب هذه السطور ذكريات طفولية وشبابية جميلة في السبيخة، وهي الحارة التي ولدت فيها ونشأت نشأتي الأولى..

وأعود بالذكريات إلى بيت علي عبدالله قرقاش، الذي كان محاذياً للسبيخة، وفي رأيي أنه أول بيت أو عمارة تُبنى في ديرة على طراز يجمع بين العمائر ذات الطراز الأوروبي والهندي، وكانت واجهة هذه العمارة مكسوة بصخور مرجانية جميلة من جزيرة «أبو موسى» التابعة للشارقة، ومدهونة بمادة الأكسيد الأحمر الذي يسميه الأهالي، المغر، وهذه المادة كانت تستخرج من جزيرة «أبو موسى» أيضاً واشتهرت بها الجزيرة، ومن الجدير بالذكر أن الطريق الممتد من قصر باكنجهام في لندن وحتى البداية المؤدية إلى ميدان (ترافالغار)، مدهونة بمادة المغر من جزيرة «أبو موسى»، ويبدو هذا الطريق أحمر وردياً للمارة..
ولم تكن عمارة قرقاش هي المختلفة عما حولها من العمائر والبيوت في ديرة، (منطقة السبيخة)، بل كانت تجارة آل قرقاش والتعامل فيها تختلف عن التجارة التقليدية التي كان عليها معظم تجار دبي لاسيما تجار ديرة..
وكان قرقاش يتعامل في تجارة الكيروسين والبترول والديزل، وكانت هذه المواد تأتي إلى موانىء دبي من منطقة عبادان في إيران.. كذلك فإن تجارة قرقاش كانت في السيارات ذات الحمولات الثقيلة، وقطع الغيار التابعة لهذه السيارات، وكانت هذه الأسرة الإماراتية الكبيرة منتشرة بين دبي والشارقة وعجمان، وكان السيدان علي وعبد الخالق عميدين للأسرة وعاشا في دبي منذ أوائل القرن التاسع عشر في منزلهما أو مبناهما الذي أشرنا إليه بسبب تمييز العمارة عن البيوت الأخرى..
وفقد آل قرقاش في الأيام الأخيرة أحد معمريهم، الفقيد محمد عبد الخالق قرقاش، عن عُمر يناهز التسعين عاماً، وهو والد الأسرة وعميدها بعد رحيل الكبار، رحمهم الله.. ويعتبر المرحوم عبد الغفور قرقاش، وأحمد عبد الرزاق بستكي أوائل الإماراتيين الذين تخرجوا في جامعات الهند، في بدايات الخمسينات من القرن الماضي..


نقلا عن صحيفة الخليج