على الرغم من أن مشهد الدراجات الهوائية مألوف للجميع في كل مكان، إلا أن الصغير كان ينظر إلى تلك "الآلة العجيبة" التي تنطلق على عجلتين رفيعتين وكأنها السحر، وكم تمنى لو استطاع ركوب "البسكليت" مثلما يفعل أقرانه في الحارة.
كان راكبو الدراجات من مختلف الأعمار يذرعون طرقات البلدة جيئة وذهاباً، إما لقضاء مهمات عمل أو لمجرد المتعة، حيث كان هناك عدة محال لتأجير الدرجات من مختلف الأحجام. ولم يكن الصغير يجرؤ على مجرد التجربة، لأن "الأطفال المؤدبين" لا يرتكبون آثاماً أويمارسون أشياء خاطئة. لكن اعتلاء "صهوة البسكليت" والانطلاق به بقي حلماً بعيد المنال!
كان جرس المدرسة خلال شهر رمضان يقرع في الساعة الثامنة وعشرين دقيقة صباحاً إيذاناً ببدء اليوم الدراسي، وذلك بدلاً من السابعة وأربعين دقيقة في بقية أيام العام، وكان توافد الأساتذة والطلبة على المدرسة يتأخر حتى الثامنة.
في أحد الأيام، وصل الصغير إلى المدرسة مبكراً، فصادف أحد زملائه يقود دراجة مستأجرة جيئة وذهاباً في الشارع المار أمام مدخل المدرسة.
ألا تخشى التعرض لعقوبة من المدير؟
جميع الأساتذة يصلون بعد الثامنة، فالوضع آمن تماماً.
منذ متى تقود الدراجة؟
منذ الأسبوع الماضي فقط
هل تعلّم القيادة صعب؟
لا، الأمر في منتهى السهولة. هل تريد أن تجرب؟ سوف أساعدك، لكن ينبغي أولاً أن نجدد فترة التأجير، فقد انتهت الدقائق العشر.
بعد تردد، وافق الصغير، أمسك بالدراجة، وأخرج من جيبه 20 فلساً دفعها لصاحب محل تأجير الدراجات. حاول الركوب، فلم يستطع التوازن. أمسك الزميل بالدراجة جانبياً، وانطلق الصغير بها متمايلاً يمنةّ ويسرة. وما لبث أن بدأ في التوازن رويداً رويداً مع تكرار الأشواط جيئةً وذهاباً، ومع تسارع شعوره بالإنجاز والثقة بالنفس، بدأ يطلب من زميله أن يرفع يديه عن الدراجة ويكرر الطلب بإلحاح، لكن الأخير أبى لإدراكه أن "التوازن المزعوم" ناجم أساساً عن قبضتي يديه.
في شوط العودة الأخير، ومع تكرار الإلحاح، رفع الزميل يديه عن الدراجة، فانحرفت بالصغير إلى حافة الطريق المنحدرة بحدة. تدحرجت الدراجة براكبها، وانقلبت مرات عدة، إلى أن طرحته جانباً، فوقع على صدره محتضناً الأرض. حاول التنفس فلم يستطع، وغاب عن الوعي.
فتح الصغير عينيه، فوجد نفسه ممدداً على أرضية غرفة مدير المدرسة محاطاً بالمدير والأساتذة، كان وجهه مبللاً بالماء الذي رشقوه به كي يصحو من الغيبوبة. نسي الآلام الناجمة عن الرضوض والسحجات وتهتك الجلد في مختلف أجزاء الجسم، ودّ في تلك اللحظة لو تنشق الأرض وتبتلعه، سقط لحم وحهه من الخجل، كيف يقدم على ارتكاب هذا الإثم وهو الولد المهذب الشاطر الذي يفخر المدرسون بأخلاقه وأدائه الدراسي؟ فالبسكليت رجس من عمل الشيطان يمكن التسامح به لـ"الأولاد الشلط" فقط.
كان خائفاً من العقوبة الفورية، ومن العقوبة المؤجلة في المنزل بعد المدرسة، لكنه اطمأن قليلاً وهدأ روعه وسط النظرات الأبوية واهتمام الأساتذة بالتأكد من أن لا إصابات جسيمة أو كسور لحقت به. طلب المدير من أحد الطلبة والفرّاش أن يصطحباه إلى العيادة الطبية القريبة ليراه الطبيب، لكنه رفض بإصرار عجيب مؤكداً انه بخير وأن لا ضرر جدياً. وعندما يئس الجميع من القبول، أمره المدير بالانصراف إلى الفصل، فقد بدأت الحصة الدراسية الأولى.
كان على الصغير أن يقدم تقريراً موجزاً عن الواقعة لكل معلم في كل حصة طوال اليوم. انتهت ساعات الدوام، وقفل راجعاً إلى المنزل. أخفى كل آثار الحادثة، لكن الآلام أصبحت مبرحة كثيراً، وزاد ألم الظهر مع وقت الإفطار. ادعى أنه وقع على درج المدرسة، فلجأت الوالدة إلى تدليك جسمه بزيت الزيتون الدافئ، وآوى إلى الفراش مبكراً.
لم يستطع النوم في تلك الليلة، ليس بسبب الألم المبرح فحسب، لكن الأهم هو إحساس الانكسار والفشل، والشعور أن قدرته على قيادة الدراجة أصبحت احتمالاً أبعد كثيراً بعد حادثة السقوط، لكنها بقيت حلماً بعيد المنال.
بعد مرور ثماني سنوات على تلك الحادثة، عاد الشاب متأبطاً شهادته الجامعية، ليجد أن كل واحد من صغار المنزل أصبح لديه دراجته الخاصة ذات العجلتين! لقد تغيرت المفاهيم وتراخت السلطات العائلية.
صحا لديه حلم الطفولة مجدداً، صمم على تعلم قيادة الدراجة مستعيناً بالقوانين الفيزيائية. خاض عدة محاولات على سطح المنزل، أتقن التوازن أولاً بمسار مستقيم، ولم يلبث أن بدأ يلتف حول العوائق المثبتة على السطح من خزانات مياه وهوائيات تلفزيون إلى أن استقر يقينه بإتقان القيادة. لم يعد سوى التجربة على الطريق.. وتحقق الحلم