كان هذا السؤال يشغلني كلما رأيت مجنونا أو دار الحديث عن ملتاث عقليا: كيف يفقد الانسان عقله؟ ما هي الآلية أو المنظومة التي تقود لانهيار العقل؟ بحيث تتهاوى جدرانه مرة واحدة من كل ناحية وتسحق تحت ركامها كل منطق؟ لم أقترب قط من فهم هذه اللحظة التي تحتشد لتدمير العقل. ليس الغضب؟ ربما يكون العجز عن مواجهة مشكلة؟ لكن لا.. العجز بمفرده لا يدمر العقل. في الأيام الأخيرة مع بيع جزيرتي تيران وصنافير أدركت كيف يجن الانسان، ليس بالعجز عن المواجهة فحسب، لا، بل بالعجز عن المواجهة إزاء عملية غاشمة وبلا منطق. ينبغي أن يكون في الجانب الآخر، في السلوك الآخر، في الحياة، في المشكلة، درجة من الجنون تدمر المنطق، ويشعر المرء أنه عاجز، وأن العبث ينتصر في الحياة. حينئذ ينتصر العبث والجنون على عقل الانسان نفسه، ويدمره. الآن فقط أستطيع أن أقول إن الذين يصابون بالجنون هم من يواجهون درجة من جنون الواقع ، وعبثه، وانعدام منطقه. تدمير المنطق في الحياة مع العجز عن مواجهته يخلق عقلا مدمرا. وكل ما حولنا من عجز وغياب للمنطق يبعث على الجنون، لكننا مازلنا متماسكين بمعجزة، أو أننا نبدو  متماسكين من الخارج، بينما يجرى في داخلنا جنون يبحث عن نقطة ضعيفة قابلة للانهيار. يجن الانسان من جنون الواقع، وينهدم المنطق داخل العقل عندما يسود العبث في الواقع، وتبدو التغيرات كأنما بلا منطق أو سبب مفهوم أو مقبول.