طالما فضلتُ المدينة الثانية في الكثير من البلدان على العاصمة. أحب القاهرة لكني أحب الإسكندرية أكثر، وأحب دمشق لكني أحببت حلب أكثر منها، وأحببتُ موسكو، لكن سانت بطرسبورج أجمل.
تحمل المدينة الثانية دائماً ما في العاصمة من ميزات، وأضواء، ومسارح، ومتاحف، وأماكن تسوق، وترفيه، وربما أنهار أيضاً، لكنها تتفوق على الأولى في أن عدد سكانها أقل، لذلك تصبح أقل ازدحاماً، وأكثر هدوءاً وحميمية.
ولهذا بالذات يحضرني استثناء في هذا، فلو فاضلتُ بين الرباط عاصمة المغرب والدار البيضاء العاصمة الاقتصادية فيها لملتُ إلى الأولى، لأن للرباط خصائص المدينة الثانية على النحو الذي بسطناه أعلاه، فيما تبدو الدار البيضاء حاملة لسمات العاصمة من الازدحام وكثافة السكان.
ينعكس هذا الفارق بين سمات العاصمة والمدينة الثانية على سلوك الناس ونفسياتهم. في العاصمة يبدو الناس على عجلة من أمرهم. إنهم مسرعون دائماً حد اللهاث، وعلى الرغم من تجاورهم في الشوارع حد الالتصاق إلا أنهم يبدون غرباء عن بعضهم بعضاً.
لعل بعضاً من ذلك آت من حقيقة أن العاصمة هي مقصد سكان المدن والبلدات والمناطق الأخرى خارجها الذين يأتونها لقضاء حاجاتهم، ومن هنا نشأ ذلك التفريق بين سكان مدينة كالقاهرة في النهار عنه في الليل، حيث يمكث في المدينة سكانها، فيما يعود قاصدوها من خارجها من حيث أتوا.
لكن عند الحديث عن حميمية المدن بودي الإشارة إلى ما لمسته خلال زيارتي الأخيرة للولايات المتحدة عما تتميز به المدن الصغيرة، التي لا يمكن تصنيفها ضمن المدن الكبرى الشهيرة في البلد، كنيويورك مثلاً.
ثمة دعة تبعثها في النفس مثل هذه المدن الصغيرة، الخالية عادة من الأبراج والعمارات الشاهقة فتتميز بعمران أنيق موحد، لا يتجاوز فيه ارتفاع العمارات بضعة طوابق وبشكل متناسق، وتظلل شوارعها الأشجار المعمرة، منشئة مساحات أليفة من الظلال، فلا تصادف ما تصادفه في المدن الكبرى من تفاوت في أحجام وارتفاعات الأبراج. ولأنها مدن صغيرة فإن عدد سكانها، بالنتيجة، لا يقارن بملايين البشر القاطنين في المدن الكبرى، لذلك لا تصادف الازدحام في المحال، والمقاهي، والمطاعم.
البشر أيضاً هنا مختلفون. ثمة طيبة ودعة في سلوكهم، كأن كل الناس هناك أصدقاء، أو كأنهم يعرفون بعضهم بعضاً، فلا تصدف في الأغلب غلظة السلوك واللامبالاة التي تميز سكان المدن الكبرى.
من طبيعة المدن ألا تبوح بأسرارها دفعة واحدة. المدن أسرار، وللإمساك بهذه الأسرار يلزم الرائي وقت. هذا إذا تحدثنا عن المدن الغريبة علينا التي تقودنا إليها الأقدار لهذا السبب أو ذاك، لكن ماذا عن المدن التي نعرفها، عن مدننا نحن؟