صمتَ برهةً بكل عُسْرة، لفَّ رأسه يمنةً ويُسرةً، بحث في زاويةِ عينيه عمّا قد يُسعف انفلات أعصابه، زمجر بحججه وأعذاره وأسبابه، ضد أحبابه وأصحابه وأنسابه، حتى كره صوته شتائمه وسِبابه، بل خاصمت يده أصبعه السبَّابة، لعدم انتسابه وصعوبة انسيابه وقلة احتسابه وكثرة اكتسابه للمعاصي، حين قال أنا العاصي، والعصيان اختصاصي، ولا أخاف اقتصاصي، ولا أهاب انتقاصي، ففي يمناي سيفي وفي يسراي رصاصي، وهكذا انهارت الجدران والأسقف، من ظلم ذلك الوحش الأعقف، فيا لبشاعة الموقف!
ابتلعت التنكيل والتوبيخ، احتوت الصياح والصريخ، تحمّلت القنابل والصواريخ، والألغام والتفخيخ، وتجرَّعت السم الزرنيخ، وهول الدناسة والتلطيخ، ثم لم تمت ولم تشيخ، فهكذا تصنع الإنسانية التاريخ، رغم أنف الذين يغثّون ولا يغيثون، وإنما يستغيثون بالظلم وإليه يلهثون، وعنه يبحثون ويتباحثون ويحثّون ويستحثون، ومعه يحْدثون ويحرثون ويتحدَّثون ويستحدِثون، وفيه يتشبَّثون ويضغثون ويتأثَّثون ويؤَثِّثون، وعليه ينفثون ويرفثون ويرمثون ويمرثون، ومنه ينبعثون ويبعثون ويعيثون، وبداخله يلبثون ويمكثون وينبثون ويلوِّثون، فهم بالعدالة ينكثون ويحنثون ويدمثون، وفوقها يجثون ويجتثّون ويخبثون، وكأنهم لماراثون الظلم يتوارثون، فيرثون مَن {قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، ثم والعياذ بالله لا يكترثون!
لا يستطيع الظالم أن يفسد «الدنيا» على المظلوم، ولكن يستطيع المظلوم أن يفسد «الآخرة» على الظالم