يصل الماء إلى الغليان عند درجة حرارة 100 مئوية، في حين أنه قد يتبخر ويتطاير بدرجة حرارة الغرفة الإعتيادية، ومن المحتمل أن يعود إلى حالته كسائل بعد أن يتجمع داخل الغيوم ويتساقط مطراً على الأرض من جديد، فيعيد إحياءها من جديد، وبالمقابل يمكننا أن نحتفظ بالمياه عن طريق تحويله من حالة السائل إلى الصلب عن طريق تجميده، مما يمكننا من استخدامه لاحقاً عند الحاجة، وهذه دورة حياة الماء الطبيعية.

نتاج العقول العربية حالياً يشبه إلى حد كبير دورة حياة الماء مع اختلاف في النتائج، حيث تنقسم إلى حالتين الأولى هي الغليان الفكري، والتي على إثرها بتنا نشاهد تطايراً للأفكار والآراء حول أي قضية سواء عبر وسائل الإعلام الحديثة، أو التقليدية منها، وأيضاً في النقاشات داخل المجالس والاجتماعات.

وهذه الحالة صحية إن كان نتاجها صحيحاً، لكن أن تتبخر هذه الآراء وتتجادل دون أن تشكل غيمة فكرية تحيي الأرض بمطرها فهنا تكمن المشكلة، وتبدو المصيبة حين يكون نتاج هذه الأفكار أمطاراً تشكل فيضانات من الدماء فعندها يمكن القول بأننا في كارثة.

أما الحالة الثانية فهي التجمد الفكري، وهي تلك الحالة التي تحتفظ بها العقول بمخزونها الفكري المتجمد غير القابل للإضافة، ولا حتى إعادة تذويبه للاستفادة منه لاحقاً، فهذه العقول لا تفكر أبداً في استخدام عقولها فهي تعيش فقط لتعيش، وكأن العقل الذي وهبنا الله اياه أمانة لدينا يُمنع استخدامه، وهؤلاء كثر فدرجة برودة عقولهم جعلتهم كالرجل الثلجي يذوب متلاشياً عند أول ظهور للشمس أو تغيير في درجة الحرارة.

بالرجوع إلى الحالة الأولى فهي للأسف قد أصابت المثقفين وأصحاب الرأي، والذين تغلي عقولهم بالأفكار، ولكن تحدث المشكلة عندما تتصارع فيما بينها مستنزفة تلك الأفكار لتتبخر متطايرة دون أي جدوى، فكلاهما يعتبر نفسه وأفكاره وحلوله واستنتاجاته هي الأصح، وبأن الغير لا يمتلك تلك النظرة الثاقبة على مجريات الأمور.

والتي تخوله استنتاج ما هو مخفي والتنبؤ بالأحداث القادمة، ومن شدة غليان العقول وأفكارها أصبحنا كمن يتسابق للحصول على آخر مقعد في الحافلة، والحافلة وصفاً وتشبيهاً لحافلة النجاة والشعبة الناجية، ولهذا نتسابق على آخر مقاعدها، وفي أثناء السباق يداس أناس تحت الأقدام ويتسلق آخرون فوق الرؤوس، والمصيبة أنهم لم يكتشفوا حقيقة المشهد بأن الحافلة معطلة.

من الطبيعي أن الحرارة التي ستصيب الرؤوس نتيجة غليان أفكارها ستجعل الشخص يشعر بحالة من الغثيان، أو التصرف بلا عقل، وهذه حالة طبيعية، وهذا ما يحدث فعلاً فأصبحنا نجد من أصحاب الرأي لدينا من يدلي بأفكار عجيبة غريبة، فتارة تجده دبلوماسياً رزيناً كرزانة العقلاء، وتارة أخرى تجده شاتماً ومنفعلاً وكأنه مجرد طفل شوارع لم يتعلم فنون «الاتيكيت» ولا كيفية معاملة الآخر حال الاختلاف.

للأسف نتاج الغليان الفكري لعقولنا العربية لم يأت بأمطار الخير على وطننا العربي، فمن لمع عقله بأفكار مستنيرة حاربته العقول الظلامية، ومن كان يعمل بصمت حرقته أضواء الشهرة، ومن كان همه وطنه طعنت بمصداقيته تلك الجماعات التكفيرية.

ومن كان يخطط لنهضة البلاد والعباد أرهقته نظرة المتشائمين، ومن جاء بأفكار شعوب أخرى لاختصار المسافة في التطور أوقفته العقول المتحجرة للماضي، ومن حاول استنهاض الماضي ليعيد تشكيل المستقبل قابله مدعي الفكر المستنير بأن مشروعهم لقراءة المستقبل هو الأنجح في هذه المرحلة.

عقولنا العربية ونتاج أفكارنا مشتتة ومتبخرة لم تجمعها غيمة واحدة تُعيد تشكيله مطرَ خيرٍ على أوطاننا بل تبددت العديد من الغيمات وراحت لتمطر في أماكن اخرى بعيداً عن أراضينا العربية.

والسبب عدم وجود مؤسسات وأنظمة تُقدر الأفكار وتضعها في نصابها الصحيح، وتُعيد تشكيلها بالتشارك مع مفكرين أصحاب رأي آخرين للخروج بحلول للأزمات، وأخرى يتم تصريفها كنتاج فكري أو علمي أو حتى أدبي نُفيد به أمتنا ونجعل مستقبلها أكثر إشراقاً، وبديلاً عن ظلمات الليل الحالك الذي تعيشه بعض أقطارنا العربية.

إن كنا لا نتقبل رأي الآخر فكيف سنقبل بأفكاره، تساؤل قد يخطر على بال أحد القراء، وأتفق معه تماماً، ولكن لن نتقبل الآراء من الآخرين ما دامت عقولنا تغلي وتريد أن تُفرغ ما في جعبتها سريعاً ومتلاحقاً.

وتعتقد بأنها قد امتلأت بمخزونها الفكري، وأي فكر للآخر ما هو إلا فيضاً مهدوراً نلتمس بلله دون أن نحاول تشربه أو استخراج ما ينقصنا من مكونات لتكتمل شجرة المعرفة التي نمتلكها.

رغم هدر الماء أثناء التبخر إلا أن الاستغلال الصحيح لهذه الحالة أوجد لنا المحرك البخاري، والذي كان بداية الثورة الصناعية، وتم استخدامه في القطارات والسفن والمصانع، ومن هنا علينا إنتاج المحرك الفكري الذي يلم شتات الأفكار قبل تطايرها وتبخرها لتوليد طاقة تُشغل مصانعنا ومؤسساتنا، وتدير أراضينا فتزرعها، وتستغل موارد الأرض وتُعيد تشكيلها وبهذا نكون قد استغلينا غليان عقولنا بما يعود مطراً نقياً علينا.

مخرجات العقول العربية مازالت بذرة لم تُزرع بالشكل الصحيح، ولهذا علينا إيجاد التربة الخصبة التي تنمو بها هذه الأفكار، ولا مانع من تدخل جيني من علوم ومعارف الآخرين لنحصد ثماراً أكثر جودة