لسنوات طويلة، بقي للإذاعة رونق خاص، ارتبط في مجمله بالمخيلة الشعبية، التي كرست نوعاً من البريق الساحر حول مذيعيها الذين دائماً ما اختفوا وراء ألفة وحميمية الصوت وسحر الترددات، قبل أن تطل الصورة التلفزيونية، ثم تبدأ سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيَّرت مفهوم النجومية لترتب من جديد أولوياتها.

وفي الوقت الذي تبرز فيه نجومية مذيعي الفضائيات، توجه أصابع الاتهام إلى الصحافة بانحيازها لمشاهير الإعلام المرئي، على حساب الأسماء الإذاعية التي ظل بعضها سجين «التقصير الإعلامي»، فيما تحول الجزء المتبقي منها إلى مجرد أسماء تستدعيها ذكريات الحنين إلى «الزمن الجميل».

الجمهور أولاً

لا تشعر الإعلامية الإماراتية، أمل الحليان، بأي نوع من الظلم لعدم ظهورها على الشاشة، وتعرب عن سعادتها بالوصول إلى الجمهور من خلال عدد من البرامج التي قدمتها من خلال إذاعة دبي، معتبرة الظهور في الصحافة المكتوبة ووسائل الإعلام الأخرى مسألة شخصية بالدرجة الأولى، ولا علاقة لها بالتقصير أو التجاهل، وتضيف «استقطاب المستمعين والقدرة على جذبهم بشكل متواصل، يعد من أهم مكتسبات العمل الإذاعي، كما أن المذيع الناجح هو من يمتلك أسلوباً مهنياً خاصاً به، يعتمد على الصوت والموهبة الإعلامية التي تدفع المتلقي إلى بناء صورته الشخصية اعتماداً على المخيلة، وأعتقد أن الأثير هو المجال الإعلامي الوحيد الذي يفسح المجال لهذه التجربة المهنية الساحرة»، وتابعت الحليان «سأظل دوماً سعيدة بجمهوري ومتابعيّ على الأثير، وبما كرسته تجربتي الإعلامية على الساحة الإعلامية المحلية، بعد رفضي العديد من عروض الظهور تلفزيونياً، بسبب العشق الذي أكنه للميكرفون، ولأثير الإذاعة التي أقدر قيمتها وأهمية تجربتي فيها من الناحية الإعلامية والإنسانية».

نجومية لافتة

حول نجوميةالمرئي مقارنة بالمسموع، قالت الإعلامية الإماراتية مريم الشيباني «لا شك في أن طبيعة العمل الإذاعي تفرض على الجمهور التعود على نجومية الأسماء والأصوات لا الصورة، في الوقت الذي يكون فيه الشكل اعتباراً ثانوياً في العمل الإذاعي، لهذا السبب نبقى متعلقين بأصوات إذاعية رافقتنا سنوات طويلة، فأحببناها وتعلقنا بها، من دون أن نتعرف إلى أشكال أصحابها، وهذا ما يمكن أن يعتبره البعض أحياناً ظلماً بالنسبة لعدد من الأسماء الإعلامية البارزة على الساحة، لكنه يظل ملتصقاً بطبيعة المسموع، الذي يفرض هذا النمط من الظهور، على عكس مذيعي الصورة من الوجوه المألوفة، التي تتاح لها فرص أوسع للقاء الصحافة في مختلف التظاهرات والمناسبات التي يحضرونها، ما يجعلهم مهيأين لمزيد من البروز إعلامياً في مختلف التغطيات والحوارات الصحافية»، وتابعت الشيباني «أتمسك بالدفاع دوماً عن مكانة مذيعي المسموع، ونجومية البعض التي تفوق في بعض الأحيان بأشواط مقابليهم في التلفزيون، بل وتغطي على بعض الأسماء المعروفة على الشاشة، ولدينا في هذا المجال شواهد حية لتجارب إعلامية إماراتية متميزة، تدعو إلى الفخر في القطاع السمعي في الإذاعات المحلية، مثل تجربة الإعلامي القدير راشد الخرجي، الذي أحبه الجمهور، وظل دوماً يردد مقولته الشهيرة (خلكم مكانكم لا تخوزون)، وهذا دليلعلى أن الإعلامي قادر على خلق نجوميته في أي وسيلة إعلامية يعمل بها».

الإعلامي والجمهور

حول الواقع الإعلامي الراهن، تؤكد عهود الخولاني، المذيعة الإماراتية في إذاعة الخليجية، أن مذيع الأثير بات اليوم قادراً على تفعيل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال صوته ورسالته، وحتى صورته التي لم تعد خافيةً على الجمهور، الذي أصبح يتابع مباشرة إعلامييه المفضلين على صفحات التواصل الاجتماعي بشكل مباشر، وأضافت «ما نواكبه اليوم في هذا الصدد كفيل بمد جسور التواصل مع الجمهور، وتحقيق نوع من الشهرة والنجومية التي ظلت محدودة بعض الشيء، ولا أقول غائبة، عن بعض الوجوه البارزة من ذوي التجارب اللافتة قبل ظهور الإنترنت، لكن الذكاء يبقى دوماً مرتبطاً بمدى تميز الإعلامي في تقديم مادته للجمهور، وجذب اهتمام جمهور الإذاعة، لأن الأسلوب يظل رهان الإعلامي الإذاعي»، مشيرة في الوقت نفسه إلى العلاقة الودية التي تميز دوماً الإعلامي الإذاعي، وتوثق الروابط بينه وبين متابعيه ومستمعيه، لافتة «هذا برأيي نوع من النجاح والجماهيرية التي يبنيها مذيع الأثير مع الوقت والتجربة، بالاعتماد على العفوية والتواضع والمودة الخالصة تجاه الجمهور».

منصات إعلامية

المذيعة الإماراتية أميرة محمد تفخر دائماً بتجارب «إعلاميين في الإذاعة، أسسوا بأصواتهم أفق أيامنا، ورافقونا طوال فترات مختلفة من حياتنا، فكانوا بأفكارهم واقتراحاتهم وطرق طرحهم ومعالجتهم لمختلف القضايا على الأثير فاعلين ومؤثرين ومجسدين للتغيير الإيجابي، ولرسائل الإعلام الهادفة التي جسدتها، والحمد لله، كوكبة من أبرز الأسماء الإعلامية المعروفة في إذاعاتنا المحلية اليوم»، وتضيف «لا أشك في أن للنجاح صدى مسموعاً، سواء كان مرتبطاً بالأثير أو بمنصات التلفزيون، فالصورة مهما كانت سطوتها كبيرة لا تحدد معايير النجاح والتفرد، ولا حتى مدى اهتمام الصحافة بتجارب دون أخرى»، لافتة الانتباه إلى ضرورة الفصل في اعتبار أهمية كل منصة و جمهورها «لكل منصة إعلامية مكانتها الخاصة وتأثيرها الخاص، ويكفينا فخراً أن تكون التجارب المتميزة لإعلاميي الإمارات في القطاع المرئي والمسموع قادرة على بلوغ قلب وعقل المشاهد، سواء عبر الصورة أو الصوت، بفضل وسائل التكنولوجيا الحديثة، وثورة المعلومات التي حفزت انتشار عدد من التجارب الناجحة على الإنترنت، وتابعت «لدينا شواهد عربية معروفة، استطاعت أن تكتسح المشهد الإعلامي، انطلاقاً من الإذاعة، وهذا دليل على أن النجاح لا يتوقف عند حدود المرئي على حساب المسموع، بقدر ارتباطه بفكرة التميز ذاتها