مع نسمات مغيب صيفية، بدأ شبان في إحضار كراسي القش من المقهى القريب، في حين انهمك آخرون في رش الماء على الطريق الترابية المؤدية إلى أحد مداخل المخيم، تلا ذلك إنارة المنطقة بفوانيس تعمل بالكيروسين. وضع صفان من الكراسي على كل من جانبي الطريق، أمام كل منهما عدد محدود من الكراسي الخشبية ذات المساند لعليّة القوم. حركة دائبة جيئة وذهاباً من أحد البيوت المطلة على الطريق، غالبية الأولاد من مختلف الأعمار على أهبة الاستعداد لتلبية ما يطلب منهم من مهام.

انطلقت الزغاريد والأغاني من حناجر النساء في المنزل المجاور، فبدأت نساء الحارة في التوافد على بيت العرس. وكلما وصلت كوكبة جديدة ارتفع رتم الغناء وعلت الزغاريد، وحمي وطيس الحفلة مع وصول زوجة وبنات المختار وانطلقت إحدى مرافقاتها، وكانت معروفة بحنجرتها الذهبية وصوتها الذي لا يجارى.. أويههههها افتحوا باب الدار خلي المهنّي يهنّي.. أويهههههها وأنا طلبت من الله وما خيب الله ظني... أويههههههها الحمد لله زالن الهموم إن شاء الله، والمية ع مجراها والنصرة من عندك يا الله"، وردت النسوة بصوت واحد متصل لولولولولولولوليييييييييييش،  في حين ردت نساء أهل العريس بزغاريد مقابلة مرحبةً.

تأخر حضور الرجال إلى ما بعد صلاة العشاء حتى سادت العتمة التي بددتها أنوار الفوانيس. بدأوا في التوافد وكل يعرف مكانه، فلا يتعدى أحد "العامة" على الصف الأول، مع ترحيب والد العريس وأشقائه وأفراد عائلته. كانت حناجر النساء تعلو بالزغاريد حسب مكانة الحضور، وبلغت الأوج عند قدوم المختار الذي وقف جميع الحضور تحية له، وانطلقت صاحبة الحنجرة الذهبية: أويههههها الله يمسيكم بالخير يا قاعدين على الصفين.. أويهههههها وإن كان "أبو فلان" معاكم... أويههههههها بعون الله ما يطولكم ضيم..... لولولولولولولوليييييييييييش.

وصل أحد الرجال يحمل شبابةً، وما أن بدأ العزف حتى انعقدت حلقة الدبكة، التي كان إيقاعها يخبو حيناً، ولا يلبث ان يعلو مع وصول مدعوين جدد، وانطلاق مزيد من الزغاريد. بادر شبان إلى تحضير الشراب.. زجاجات تحتوي على سوائل ملونة بنكهات فاكهة مختلفة، تفرغ في أوان كبيرة، يضاف إليها الماء والثلج، ثم تصب في كؤوس توضع على أطباق كبيرة، يدور بها الشبان على الجمع صفاً صفاً، لتتلقفها أيدي الحضور، في حين تقدم فناجين القهوة العربية للوجهاء الجالسين في الصف الأول.

الدبكة منعقدة، والحضور في أحاديث جانبية، تعلو الأصوات وتخفت، وتنطلق الضحكات، والأولاد على الجانبين، تارة يلعبون ويحاولون النفاد إلى حلقة الدبكة، فيردهم الكبار، وتارة ينشب بينهم قتال فيبادر الشبان إلى الفصل بينهم. فجأة جاء رجل يرتدي معطفاً أنيقاً، حليق شعر الرأس والذقن، يحمل كيساً بإحدى يديه ويرفعه جانبياً. أخلي له ركن الساحة، وأحضر له كرسي. فتح الكيس واخرج منه آلة العود، فجلس الدبيكة، وساد هدوء نسبي، مشوب بالانتظار والترقب.

بدأ الرجل دوزنة العود بعزف أنغام عشوائية، مع تحريك مفاتيح الأوتار إلى ان اطمأن إلى جودة النغم، فانطلق في عزف مقطوعة هبّ لها الحضور واقفين ومصفقين. حلّق العازف في أجواء الخيال، كان من ينظر إلى عينيه يظنه نائماً أو غائباً عن الوعي، وهو يعيد كل مقطع مراراً وتكراراً. وفجأة انطلق أحد الرجال إلى وسط الحلقة راقصاً ومتمايلا، وعلا تصفيق وغناء الحضور، أصبح الراقص بخفة الفراشة، يدور ويدور مع أنغام العود مندمجاً مع العازف في أداء ثنائي امتد طويلاً على نفس النغمة، إلى أن خيّم الصمت على الحضور وبدأت النسوة في استراق النظر من خلف الجدار إما بدافع الفضول للاطلاع على ما يجري بعد فاصل الصمت، أو لأن تقاسيم العود الرائعة هزت أوتار قلوبهن.

رسخت هذه النغمات في رأس الصغير ذي السبع سنوات، ونام في تلك الليلة وصداها يتردد في أذنيه. ولم يدرك كنهها حتى بلغ سن المراهقة وبدأ يميز الأغاني والأنغام ويسرح بخياله ومشاعره، ويسهر مع "يا ليل ويا عين". عندها أدرك ان نغمات العود في تلك الليلة كانت موسيقى أغنية أم كلثوم الخالدة "انت عمري"، وأن الرجل الراقص استخفه الطرب وانطلق في نوبة وجد صوفية عند مقطع "هات عينيك تسرح في دنيتهم عيني". وعلى الرغم من أن الصغير أصبح من عشاق "أم كلثوم" بعد ذلك، إلا أن "انت عمري"، وتحديداً ذاك المقطع، لا يزال لها وقع خاص في قلبه وذاكرته.

*إلى روح "أبي خليل السنونو"، أشهر موزع صحف في فلسطين لما يزيد على نصف قرن.