رفعت يدها إلى وجهها تغطي حفرةً تكشف تفاصيل أسنانها وجزءاً من لسانها وسقف بلعومها، لعلها تخفي علامات الصدمة والذهول، همست بنبرة عتاب صارمة تسأل عن المسؤول، كانت أنفاسها بلا أنفاس، بلا شهيق أو زفير، ترمي بقوانين الطبيعة عرض الحائط، وتتجاهل جميع أساسيات المعقول، رفعت حاجبها الأيسر المرسوم بدقة، لوت ابتسامتها التهكمية في الاتجاه نفسه، جلست تحدّق بحزن في ذلك الجسد الذي قد تم طردها منه عنوةً للتو! جحظت عيناها غضباً، غطست في محاولاتٍ يائسة للدخول إليه مرة أخرى دون جدوى، صرخت باكية فوق جثتها: (لم أنتِ مستلقية هنا؟)

جلست على كرسي خشبي هزاز كان معلقاً عشوائياً في الهواء، أخذت تهز نفسها عليه بشدة وطبعاً بدون جسد، وكأنها ترج ذاكرتها وتخضها لكي تتذكر كيف انتهى بها الأمر هكذا! التفتت يميناً ويساراً شاهدت العديد من الأرواح تطير حولها متسائلةً مثلها في كل مكان، وفجأة تذكرت صوت القنابل والرصاص والرشاش والدبابات والمدافع، وتذكرت ملامح الحروب، وغازات القلوب، والحق المنهوب بلا مُدافع، وهكذا شعرت بالأمان لأول مرة، وبرفض العودة إلى هناك «بالمرة».

وحدها النفوس الخسيسة، واللاعقول الدسيسة، المسؤولة والرئيسة، ضد الإنسانية الفريسة، كاغتيال أنيسة أو أليسا، أو محمد وعيسى، بتفجير مسجدٍ أو كنيسة!