أطلق الأزهر الشريف مبادرة تحمل نوعاً جديداً من التفكير، تتمثل في الالتحام بالشباب في أماكن وجودهم الكثيف، وفتح نقاشات دينية وأخلاقية معهم لاجتذابهم إلى المسجد من جهة، ولإبعادهم عن شبح التطرف من جهة أخرى، وتركزت المبادرة التي شملت أنحاء مختلف مصر، على مدينة الإسكندرية وبعض جهات الصعيد، وقالت مصادر أزهرية لـ«الإمارات اليوم» إن التجربة استقبلت بترحاب واسع في المقاهي وأوساط الشباب، كما يتم تقييمها بدقة لدراسة أوجه القصور ونواحي التميز من أجل تطويرها.

وقال العالم الأزهري وإمام مسجد عمرو بن العاص بالشرقية، علي عطية، لـ«الإمارات اليوم»، عبر الهاتف، إن «مواجهة التشدد الفكري بدأت تأخذ صيغة هجومية ولم تعد دفاعية، الأزهر الشريف له مكانته الخاصة في نفس كل مسلم، ومن ثم ليس عليه سوى أن يتقدم ويطور أساليب رسالته بمضامينها الثابتة ذاتها، لكن بوسائل تتماشى مع تطورات اللحظة»، وتابع: «هناك حكمة دينية تقول إن الطبيب لا يذهب للأصحاء وإنما لمن أصابهم رذاذ، وكثير من شبابنا اليوم أصابه الرذاذ من تيارات منحرفة ومدمرة»، وشدد عطية على أن «العالم الديني الذي توكل له المهمة، يجب أن يحمل مؤهلات خاصة، كأن يكون صغيراً في السن، حتى يكون قريباً لتفكير ومشاعر الشباب، وأن يكون متابعاً للتطورات العالمية فكرياً وسياسياً، وأن يكون ملماً بأدوات العصر مثل الإنترنت وأدوات التواصل الاجتماعي، ولا مانع من أن تكون له صفحة على الـ(فيس بوك) تنقل أفكاره وتتلقى أفكار الآخرين».

من جهته، قال العالم الأزهري بمنطقة الأقصر الأزهرية بصعيد مصر، صفوت الدرديري بدران، عبر الهاتف، لـ«الإمارات اليوم» إن الفكرة على بساطتها مؤثرة جداً، هناك شباب لا يترددون على المسجد كثيراً أو يترددون يوم الجمعة فقط،، لماذا لا نذهب اليهم نحن؟ ولو لم نفعل ذلك فما دورنا ومهمتنا إذن؟ نحن نذهب إلى المقاهي والأندية ومجالس الحارات والدواوين العائلية بالصعيد، ونطلب من الشباب أولاً أن يطرحوا هم تساؤلاتهم الدينية لنرد عليها، ونناقشهم في ما يقترحونه لا في ما نفرضه، ونراعي أن يكون النقاش سلساً سمحاً حتى يصل إلى قلوبهم».

وتابع «نحن ما لم نفعل ذلك فقوى التطرف والتشدد تسارع وتفعل، وهناك دعوة شهيرة بدأ أصحابها على المقاهي، فعلينا ألا نترك الساحة، وهذا العمل تقوم به إدارة الوعظ بالأزهر، ولا يتعارض مع ما تقوم به إدارة الأوقاف التي تتركز مهمتها داخل المساجد».

ورداً على سؤال عن المخاوف من أن تنتج عن المبادرة حالة سجال ديني على المقاهي قال «السجال موجود أصلاً، ولا ندفن رؤوسنا في الرمال، وجماعات التشدد لها إعلامها، والعالم الآن بفضائه الإلكتروني وفضائياته قرية صغيرة مفتوحة، ونحن بدلاً من أن نتجاهله علينا مواجهته ومحاصرته ومنعه من اختطاف شبابنا».

ونوه بدران إلى «أن المبادرة لو لم تنتج شيئاً سوى ترك بصمة أزهرية أخلاقية على منتديات الشباب فيكفيها، وسط تيارات تتنازعهم، منها ما يدعو إلى التطرف من جهة، وما يدعو إلى الانحراف من جهة أخرى».

وقال العالم الأزهري، الدكتور أحمد كريمة، إن «الفكرة من صميم الإسلام، حيث تقتدي بالرسول الأعظم محمد، عليه الصلاة السلام، الذي كان يذهب للدعوة لدين الله في الأسواق ويقول (أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تُفلحوا)».

وأعرب د.كريمة عن ترحيبه بتركيز المبادرة على الإسكندرية، وقال إن عدد المقاهي في الإسكندرية كبير، ويحتاج هذا التحرك لمزيد من تطوير الخطاب الديني، وأن يكون هناك حوار مشترك ويستمع كل طرف للآخر».

هذا وتركزت التجربة حتى الآن على مدينة الإسكندرية، وأرجع محللون ذلك إلى أن المدينة الشاطئية تجمع النقيضين، حواضن التشدد، ومواريث الانفتاح، بوصفها مدينة (كوزموبولتانية) عالمية قديمة، وقال عالم أزهري شارك في حملة دعوية ذهبتْ لأحد المقاهي لقناة «الحدث»: «واجهنا سجالاً من اللحظة الأولى، ومن داخل الأزهر الشريف نفسه، وقال لي علماء أجلاء كيف ننزل بالأزهر السامي من عليائه إلى المقاهي وهي التي تحوي أشياء كثيرة، لكننا قبلنا التحدي وذهبنا، وهناك استقبلنا الشباب بالترحاب، وقلنا لهم لم نجئ لنطلب منكم التوقف عن حديثكم، حتى التلفاز اتركوه مفتوحاً لكن خفضوا أصواتكم، وأعطونا دقائق من وقتكم»، وتابع: «بهذه الطريقة البسيطة نجحت التجربة، وطلب منا شباب كثر أن نكرر الزيارة».

الإمارات اليوم