الاعتدال والوسطية في كل شيء أمر صعب، ويتطلب مواصفات فكرية خاصة، فالنقطة التي تتساوى بها كفتا الميزان، تتطلب مساواة في المقدار بين ما يوضع بداخلهما، حتى وإن اختلفا في النوع.

كيف لنا أن نوازن بين الغلو والتطرف في الدين من جانب، وبين الانحلال الأخلاقي والفجور والإلحاد على الجانب المقابل؟!

تحدثنا كثيراً في مقالات سابقة عن الغلو والتطرف، وما ينتج عنه من عمليات إرهابية، واليوم سنقارن بين هذه النتائج، وما ينتج عن الانحلال الأخلاقي، وكيف نوازن بينهما، فإن كان التطرف يشوه صورة الإسلام، فالانحلال يشوه مقاصد الإسلام الحقيقية، والذي جاء لخلق موازنة بينهما، وفي دعوة لإيجاد مجتمع وسطي معتدل.

الله تعالى لم يوجد الأديان جميعها من أجل الآخرة فقط، ولا من أجل الدنيا أيضاً، إنما أوجدها من أجل الإنسان، ولكي ينعم بحياة سليمة متزنة، تقوده من نعيم الدنيا إلى جنات الآخرة.

إن ما عُرف عن الدين الإسلامي كصورة عامة، يفيد بأنه دين للآخرة، وبأن معتنقيه يكرهون الحياة لدرجة أنهم مستعدون لأن يضحوا بأرواحهم من أجل الظفر بدخول الجنة، وهذا صحيح، إن كان في مقامه السليم، وليس كما يعتقد الإرهابيون.

حتى من يشاهد خطبنا أو برامجنا الدينية في العالم العربي، سيجد أن شكلها وأسلوبها، وأيضاً مقدمها، يتسم بالجدية الكاملة، لدرجة أنك ستحس أن الابتسامة حرام عليه وعلينا، وبسبب هذا العقم في تفسير الإسلام، أصبحت حياتنا تتسم بالجمود القاتل، وأصبحنا أمة تعتقد أن ملاهي الحياة، حتى البسيطة منها والمحترمة، هي حرام، وبأنها رجس من عمل الشيطان، وتستوجب منك كمسلم أن تمنعها، وتقيم الحد على من يمارسها.

 

في أحد المشاهد السينمائية، ظهر ممثل مصري يلبس لباس الملتزمين بالدين، محاولاً تصوير نفسه على أنه رجل محترم ملتزم، وأثناء حديثه المتخبط حول الدين، اعتقدت الشخصية المقابلة له في المشهد، بأنه يمازحها، فقالت له «دمك خفيف»، ليرد بصرامة: «لا ملتزم»، هذه النكتة في المشهد، توضح لنا حجم الغلو الفكري الذي جعلنا نعتقد أن الدين الإسلامي ينادي بالانغلاق على النفس، ويدعو للحزن، وبعيد كل البعد عن الفرح، لدرجة أننا أصبحنا نعتقد أن الشخصية المرحة «دمها خفيف»، هي بالضرورة غير ملتزمة دينياً.

بالرجوع للصورة الأصلية التي جاء من أجلها الإسلام، وما ذُكر في سيرة رسولنا الكريم ﷺ، سنجد أن ديننا الحنيف جاء منادياً للوسطية، وأنه دين يسر وليس عسر، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِي قَالَ: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ)، وعن محجن بن الأدرع قال (أقبلت مع النبي ﷺ، حتى إذا كنا بباب المسجد، إذا رجل يصلي قال: «أتقوله صادقاً» ؟ قلت: يا نبي الله هذا فلان، وهذا من أحسن أهل المدينة، أو من أكثر أهل المدينة صلاة، قال: «لَا تُسْمِعْهُ فَتُهْلِكَهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا إِنَّكُمْ أُمَّةٌ أُرِيدَ بِكُمْ الْيُسْرُ».

هذا ما أراده الله تعالى من دين الإسلام، وهذا ما أراده من أمة الإسلام، أن يكونوا أمة وسطاً بعيدين عن الغلو وبعيدين عن الرذيلة، يعملون ويخططون لبناء مستقبل لهم ولأجيالهم، وليس مسّلمين للحياة، وكأنها مرحلة عابرة للوصول إلى الآخرة، وهي كذلك فعلاً، إلا من الخطأ أن تتجاهلها تماماً، ومن الخطأ أيضاً أن تحبها بجنون.

الغلو أوجد لنا المتطرفين الإرهابين، وفي بعض الحالات الملحدين، والانحلال أوجد لنا الفاسقين، وما بين هذا وذاك، ستجد في وسط الطريق المسلم الحقيقي، وما بين الدعوة لتسريع الآخرة، وتلك التي تدعو لتأجيلها، ستجد أين يكمن الإسلام الأصلي.

إن كان إسلام بعضنا اليوم عبارة عن تصرفات مزيفة، فلنرجع لقراءة ما جاء في تعاليمه وسننه، ولنترك عنا ما أوجدته الأيام، وما كتبته السنون، ولنجعل من إسلامنا نقطة انطلاق نحو المستقبل الدنيوي قبل الأخروي، ولنُسكت تلك الأفواه التي لا تنقل لنا إلا الطاقة السلبية، وكأنها تناست قمة الأمل في حديث رسولنا : (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا).

في هذه المرحلة الحرجة التي يعيشها العالم جراء الإرهاب والانتشار اللافت للإلحاد، نحن في أمس الحاجة لأن نعيد صياغة مفهومنا للإسلام، ونحوله من دعوى للموت إلى منهج للحياة، فلم تعد نتائج مفهومنا الخاطئ تؤثر سلباً في حياتنا، بل أصبحت أداة خطيرة تحصد الأرواح، فما حصل قبل أيام في تفجيرات مترو سان بطرسبورغ في روسيا، وما حصل من قبلها من جرائم بحق الإنسانية، لم تكن سوى عملية انتحار بصبغة إجرامية، قام بها من فقد مفهوم الحياة، واستبدله بالموت، لاعتقاده أن تعجيل النهاية يقربه من الجنة.

الإسلام دين وسط، وعلى أمتنا أن تتسم بهذه الوسطية، فهو الدين الذي أعطى كل وقت حقه، وقت للعبادة وآخر للفلاحة.

البيان