في يوم ميلادها .. قرّرتُ الحديث عن أحد أسرارنا المثلّجة الجميلة .. عن الرفض المجنون الذي لولاه لكان الندم .. صديقي الوحيد

1

انتظرتُ صديقتي في يوم صقيعٍ قاسٍ .. تنهي مقابلةً تتعلّق بمستقبلها المهني .. ساعاتٌ من المعاناة في البرد القارس الذي لاقى مقاومةً شرسةً من لهيب دواخلي وعواصف أفكاري وعشرات الأفلام الذهنية فائقة الدقة التي تَعرِضُ لي عدة سيناريوهات لسنوات عمري القادمة .. أنفاسي الدخانية تتكاثف أمامي .. ووجهي أصبح مسرحاً لألوان الثلج ..

2

خَرَجَتْ من المقابلة بعرض عملٍ مغرٍ يسافر بها بعيداً عني .. فثارت ثائرتي وأذابت زفرات الغضب ما تبقّى من جليدٍ حول وجهي ..... لن تسافري !! ... أحاطت علامات الاستغراب المستحقة بملامح وجهها .. وحافَظَت على صمتها لبرهة .. ثم رَسَمَت ابتسامةً رقيقةً دافئة سَكَبَت في دهاليز قلبي إكسير راحةٍ .. وأمانٍ مؤقّت ..

3

سمعتُ من صمتها البليغ عشرات الأسئلة !! لماذا تمنعني من السفر ؟؟ والسؤال الأصعب كان: بأي حقٍ وصفةٍ تقف بيني وبين مستقبلي ؟؟ 

عندما لا نحمل أجوبة منطقية على الأسئلة الكبرى .. يجب أن يكون لدينا أجوبة بحجمها حتى لو كانت مجنونة !

كانت قوة رفضي ليست في منطقه أو أسبابه المعلنة .. بل في نزقه وعنفوانه وحزمه .. درجة حرارة الرفض عوّضت عدم كفاية الأدلة ..

4

نعم سأرفض ابتعادكِ عني حتى لو كان مجحفاً بحقك .. سأرفض فكرة ألاّ أراكِ كل يوم .. بسبب أنانيتي المفرطة .. أنا أحبّني جداً فوقما تتصورين .. وأحبّ أن أسعدني أكثر ممّا تتخيلين .. ولن أسمح لسعادتي النادرة أن تطير أمام عينيّ مهما كانت الأسباب ..

لن أدعكِ تفلتين مني .. لأني عرفتُ سرّكِ الأغلى .. أنتِ من يمكنها إسعادي حتى بعد 3 أعوامٍ من الزواج .. أنتِ من تستطيع أن تضحك بوجهي وتُضحكني رغم واجبات المنزل وأعباء الحياة .. أنتِ فقط .. من رأيتُ في لوحها المحفوظ عشقي لأبنائي منها .. وقدرتي على نحت الجبال وردم البحار .. في سبيل إسعادهم والقيام بشؤونهم .. 

أنتِ التي اختصّكِ الله بتلك المعجزة دوناً عن بنات حواء .. مع كل قبلةٍ منكِ يطول عمري عاماً .. ومع كل ابتسامةٍ صباحية أحصل على طاقةٍ كافيةٍ لنقل الأهرامات وعبور الأطلسي بصحبة الحيتان ..

5

لستُ ممّن يتزوجون للتكاثر أو تنفيذ رغبة المجتمع في تقديم نسخٍ جديدةٍ باهتةٍ من مؤسسة الأسرة ! لم أصبر طوال هذه السنوات لأدخل في دوامة النكد الزوجيّ كغيري .. من الذين يختار الآخرون لهم زوجاتهم كما يختارون لهم أسماءهم وعقلهم ولون جواربهم وتفاصيل حياتهم ! لم أكن لأقبل بفرحة الخطوبة والزفاف مقابل تعاسة العمر

أنا من المجانين الذين ثاروا على موروثات مقبرة الزواج .. أنا من الذين طلبوا صداقة أقدار الله بحقٍ فوجدوها .. 

أحبّكِ بطريقتي .. التي أصبحت قدوة ومنهجاً للعديد من الأصدقاء والصديقات .. 

أتنفّس حبّكِ لي .. وأستمدّ منه صبري وبصيرتي .. واختلافي عن الكائنات ..

لقد كنتُ لكِ دعوةً مستجابة .. كما كنتِ لي تجسيداً للطف الله بعباده ..