تجلس في بيتك لمشاهدة محتوى ترفيهي في التلفاز أو تقرأ، فتأتيك رسالة على الـ«واتس أب»، تقرر تجاهلها، فتأتيك رسالة ثانية وثالثة وعاشرة. تفتح الرسائل ولا ترد فوراً لأن الموضوع غير مستعجل، تكمل مشاهدة التلفاز وتأتيك رسالة من الشخص تسأل: لماذا لا ترد؟ أو مجموعة علامات استفهام! لأن المرسل يعلم متى تفتح الرسالة.

الموقف نفسه منذ 10 أعوام: هاتفك غير الذكي يستقبل رسالة واحدة غالباً، وعندما لا تجيب قد يتصل بك الشخص للاطمئنان عليك، وليس للتحقيق معك في موضوع عدم ردك الفوري أو تجاهله.

كل ما يصلنا على تطبيقات المحادثات عبارة عن معلومات، سواء كانت سؤالاً أي تزويد ذلك الشخص بها، أو قصة تحمل عبرة، أو فيديو هادفاً أو تافهاً بغرض الضحك، أو لفت الانتباه، أو روابط لمواقع التواصل الاجتماعي، أو أخباراً أو رسائل بريد إلكتروني، كلها معلومات، ولو قدرناها عددياً فقد تتجاوز 1000 رسالة يومياً.

الموقف نفسه منذ 10 أعوام: كل المعلومات الواردة على هاتفك غير الذكي هي من خدمة الأخبار، توفرها الجهة الإخبارية التي تشترك معها، وإن زاد الأمر على ذلك فسيكون اتصالاً هاتفياً أو رسالة نصية من الأهل أو صديق، ولو قدرناها عددياً قد تكون 50 أو أقل.

يصلنا الخبر اليوم من مصادر عدة، وعلى منصات مختلفة، أبرزها وسائل التواصل الاجتماعي، وكل وسيلة إعلامية تبث الخبر أو تعيد بثه للمشتركين، ما ينتج عنه حالة تشبع شديدة، ومع التكرار الشديد لتلك العملية تقلص عمر الخبر إلى أربع ساعات، ما يعني أن الخبر الصادر الساعة 12 ظهراً أصبح قديماً جداً بحلول الساعة الرابعة أو حتى الثالثة. الخبر في العرف الصحافي ليس قديماً، لكن في سياق هذه الحقبة الرقمية أصبح قديماً جداً بسبب عملية تكرار استهلاكه في غضون ساعات.

الموقف نفسه منذ 10 أعوام: وصل الخبر عبر رسالة نصية وتم بثه في نشرات الأخبار، كما تم تحميله على مواقع الإنترنت. يتصدر الخبر عناوين الصحف في اليوم التالي، ولايزال يحتفظ بحداثته عند شريحة من الجمهور.

لم نعد نقرأ الأخبار، ونكتفي بفقرة واحدة منها، ولم نعد ننتبه كثيراً أثناء جلوسنا مع العائلة أو الأصدقاء أو أثناء اجتماع، وذلك ليس عيباً في ظل التدفق غير المسبوق للمعلومات بكميات تفوق التصور، فننظر إلى أجهزتنا ليس لقراءة كل شيء وإنما لإجراء عملية تنقية (فلترة) واختيار ما هو مهم أو عاجل، وهي عملية أضعفت قوة التركيز.

الموقف نفسه منذ 10 أعوام: نظرة واحدة إلى الرسائل النصية القصيرة أو استقبال المعلومات عبر مكالمة أو بالبريد الإلكتروني قبل العودة إلى العمل أو العائلة، ليس هناك ما يشتت التركيز.

ختاماً: في دراسة أجريت عام 2013 وجد الباحثون أن الناس منذ 40 عاماً كانوا يقرأون الأخبار بكل أنواعها، ليس تفضيلاً منهم للمحتوى الخبري لكن لعدم وجود خيارات أخرى تشتت انتباههم. في سياق متصل: هل مدة الحصة المدرسية المقدرة بـ 45 دقيقة مثالية للاستحواذ على انتباه أجيال اليوم؟ نشك في ذلك.