غرد أحد وزراء وطننا العربي ذاكراً إنجازاً إيجابياً قامت بها وزارته فانهالت عليه الشتائم واللعنات من قبل أشخاص معظمهم مجهولو الهوية، بينما قامت إحدى الشخصيات السياسية بنشر منشور صرحت فيه عن تطورات قضية معينة، فانهالت عليه الشتائم وبعض الردود غير المؤدبة من أشخاص مجهولين، إلا أن في هذه المرة كان هناك العديد من الأشخاص المعروفين ومن لهم أسماء وصور حقيقية.

لا يختلف هذا المشهد الإلكتروني عن ذلك المشهد الذي نجد فيه شخصاً يقرأ الجريدة في إحدى المقاهي أو يطالع خطاب رئاسياً أو جمهورياً في التلفاز، وما إن يبدأ الرئيس أو المسؤول بالإدلاء بأولى كلماته حتى يتفوه هذا الشخص لمن حوله من المقربين بكلمات المذمة لهذا المسؤول، والمصيبة الكبرى حين نشاهد نادل المقهى يضع كأس الشاي على الطاولة بقوة وهو أيضاً يتلفظ بكلمات لا يمكننا كتابتها بين سطورنا لتصبح الشتيمة علانية دون أدنى احترام أو خوف.

من خلال قراءتنا لهذا المشهد نستطيع القول أن مجتمعاتنا العربية أصبحت متمردة على نفسها، وبالطبع هذه الحالة لم تكن وليدة اللحظة ولا هي نتاج ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، ولو أنها ساعدت في وجود شخصيات وهمية تدلي بدلوها دون أن تظهر شخصيتها الحقيقية مما ساعد في انتشار حالة عدم الاحترام التي طالت رموزنا العربية وعلماءنا وحتى معلمينا وأساتذتنا.

هذه الحالة لم تطل المسؤولين وإن كانوا هم الأكثر عرضة لها، إنما طالت العديد من الإعلاميين بعد طرحهم لآرائهم، والعديد من الفنانين عندما حاولوا إيصال رسالتهم، وأيضاً الكتاب عندما اجتهدوا ليقدموا فكرة، وحتى السياسيين لم يكونوا بعيدين عن الشتائم حتى وإن جاؤوا بحلول تصب بمصلحة الوطن، ورجال الدين ممن أظهروا حقيقة شرعية غابت عن الكثيرين كان لهم أيضاً نصيب من الشتائم.

هذه الحالة باتت تأخذ منحنياً آخر بعد أن استغلتها الجماعات الإرهابية والأحزاب السياسية، وقامت بتجنيد جنود إلكترونيين يقومون بسب وشتم أي مسؤول ليس كنوع من معارضة أفكاره، إنما لإسقاط هيبته أمام الناس والتشكيك بقدرته على القيادة، وذلك لإظهار أنهم الأحق في تسلم السلطة.الثورات العربية أو ما سمي بالربيع العربي هي العامل الأول الذي ساهم في جعل هذه الحالة مألوفة اعتيادية في حواراتنا ونقاشاتنا، فبعد أن خرجت بعض شعوبنا العربية إلى الشارع وأسقطت حكاماً وأنظمة اهتزت مكانة وهيبة الرئاسة أو السلطة لها، وأصبحت تحت طائلة الشتائم ليل نهار وعلى «الفاضي والمليان» كما نقولها بالعامية.

الناس خرجت إلى الشارع ورفعت فوق رؤوسها شعارات ومنشورات تحمل الكثير من الإساءة للمسؤولين، وكان نتاج ذلك أن ارتفع سقف الحريات التعبيرية في المجتمعات العربية، وهذا أمر جيد إن كان التعبير إيجابياً، أو نقداً بناء قائماً على الإدلاء بالمقترحات والتوجيهات والآراء بكل احترام دون الإضرار بمكانة وهيبة أي شخص أو أي سلطة.

شعوبنا لم تعتد أساساً على مفهوم التعبير الصحيح، اعتقدت أن الحرية تكمن بالتلفظ بكلمات بذيئة تجاه المسؤولين أو من يمثلون السلطة.

يقول الكاتب والمؤرخ الأميركي «ويل ديورانت»؛ في شبابي كنت أهتم كثيراً بالحرية، وكنت أقول أنني مستعد أن أموت من أجل حريتي، ولكنني في كهولتي أصبحت أهتم بالنظام قبل الحرية، فقد توصلت إلى اكتشاف عظيم يثبت أن الحرية هي نتاج النظام، وهذا صحيح فبوجود النظام تُمنح الحريات وتحدد أيضاً، ولكن البعض يعتقد أن الحرية لا حدود لها وهذا مفهوم خاطئ؛ فلكل شيء حدوده التي ما إن تخطيناها حتى نخرج عن إطارها السليم.

هذه الحالة التي بتنا نعاني منها في عالمنا العربي جعلت من أخلاق أفراد المجتمع حالة يرثى لها، ولا أعلم إن كنا ندرك حقيقة ما نكتبه في وسائل التواصل أو ما ندلي به أمام الآخرين أم إننا نتصرف بلا وعي، وبعد أن تجرم أفعالنا نقول إن كلماتنا سقطت سهواً فنحن لا نقصدها بهذا الشكل، أو سنقول إننا نتعمد الإساءة والشتم لمن هم أكبر منا سناً وأعلى منا قدراً ومكانة، ولمن هم فوقنا في سلم السلطات، فإن كان الأمر كذلك فلا يسعني إلا أن أقول إن أخلاقنا سقطت سهواً في ظل هذا المعترك بين جوع الحريات وغياب المفهوم الحقيقي لها، وبين معاني الاحترام التي ينبغي أن توجد في تعاملاتنا.

ولهذا قبل أن نطالب بحرياتنا علينا أن نؤسس لمبادئ الحرية، وقبل أن نطالب بحرية الرأي والتعبير علينا أن نعلم أساساً ماذا نريد، فإن كان مبتغانا الشتم والسب وإسقاط هيبة السلطة فهذا لن يعود علينا إلا بالخراب، أما إن علمنا لماذا نطالب بالحرية وجعلنا إجاباتنا مفادها التعبير عن الذات وعن الفكر وتقديم حلول واقعية للأزمات وإظهار قدراتنا الشخصية ومواهبنا وإمكاناتنا فأهلاً وسهلاً بكامل الحرية فهنا سيتحقق مفهومها الطبيعي، الذي فيه مصلحتنا الشخصية ومصلحة شعوبنا وأمتنا التي ننتمي إليها.

إن احترام الأب والأم، والمعلم والمدرس لهو بداية الطريق لوضع الأسس التي تضمن مفهوم الحريات بالأطر الصحيحة، فمن يحترم معلمه سيحترم عالمه ويقدر رئيسه، ومن هنا تبدأ سلسلة الاحترام التي ننشدها في مجتمعاتنا العربية.

البيان