ثمة تاريخ خفي بالضرورة، هو غير ذاك الذي كتب وتناقلته الأجيال.
هذا التاريخ الخفي موجود في كل مكان، وهو وجد دائماً عبر «التاريخ» المديد للبشرية.
 لا نعني بذلك فقط أن التاريخ كتب من وجهة نظر المنتصر كما يقال، وبالتالي فإن «الحقيقة» التي وصلتنا هي ما يراه «حقيقة» هذا المنتصر، وليست هي، بالضرورة، الحقيقة المطلقة التي لا يأتيها الباطل من يمينها أو من شمالها، وبالتالي فإن «الحقيقة» الكامنة في رؤية من هزموا هزمت معهم، ولم يتيسر لها أن تنتقل إلى الأجيال اللاحقة.
 ما نحن بصدده هنا هو ذاك التاريخ الخفي الذي لا يناقض، بالضرورة، التاريخ المعلن، فقد يتقاطع معه في الكثير من الأوجه، ولكنه ظلَّ بعيداً عن الأضواء، فلم يدون كما دونت وقائع التاريخ الفاصلة، من حروب وغزوات وكوارث وانتصارات.
 يمكن القول إن مجال اشتغال المهتمين بما يطلق عليه التواريخ الفرعية يكمن في هذا التاريخ الخفي، ومن قبيل ذلك العناية بكتابة تاريخ النساء أو تواريخ الأقليات في المجتمعات أو سواها.
 فلنأخذ تاريخ النساء مثالاً، رغم قناعتنا بأنه لا يوجد تاريخان منفصلان أحدهما للرجال والثاني للنساء، فالمرأة كانت موجودة دائماً أينما كان الرجل، وشاركت في صناعة الحدث معه، لكن التاريخ، كما أمور أخرى كثيرة، صيغت بنَفَس ذكوري، تجاهل ما للمرأة من دور.
 هذه «الذكورية» ذاتها التي جعلت من دور النساء خفياً أو مخفياً، رغم أن ثمة نساء اضطلعن في مفاصل تاريخية مهمة بأدوار صنعت مسارات الأحداث أو وجهتها، وفي الكثير من الحالات فإنهن فعلن ذلك من وراء الستار، أو بالتخفي خلف رجال.
 لو انصرف الباحثون إلى دراسة ما مارت به قصور السلاطين والخلفاء والملوك وسواهم، عبر التاريخ الإنساني الممتد، من صراعات ومكائد أو توافقات أو «ترتيبات»، سيجدون أن للنساء حصة كبيرة، إن لم تكن الأكبر، في تقرير مسار الأمور.
 شيء مشابه يمكن قوله عن تواريخ الأقليات داخل كل مجتمع، فحيث تكون الغلبة للقومية أو الطائفة التي تشكل الأكثرية في أي مجتمع، فإن التاريخ يكتب من وجهة نظرها، ويُعنى بالتفاصيل العائدة لها، ويغفل، عمداً أو سهواً، التاريخ الفرعي الخاص بالأقليات، الذي وإن كان جزءاً من التاريخ العام للمجتمع، لكنه يحتفظ بأوجه فرادة.
 هذه «الفرادة» بالذات هي التي يمكن أن ندرجها في التاريخ الخفي الذي لم يكتب، أو أنه طمس لصالح التاريخ «الأكبر»، أي تاريخ الأكثرية، التي رأت أن روايتها للتاريخ ووقائعه تجب ما سواها من روايات. سيصبح التاريخ أكثر ثراء وإثارة، لو فتحت ملفات التاريخ الخفي المغفلة أو المقصاة.