شهدت فعاليات اليوم الأول من الدورة الافتتاحية للقمة العالمية للصناعة والتصنيع، التي تقام تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في جامعة باريس السوربون – أبوظبي، جلسة نقاش ركزت على قطاع الصناعة في الولايات المتحدة الأمريكية. وأكد المشاركون في الجلسة أهمية التركيز على نوعية الوظائف التي يوفرها قطاع الصناعة في أمريكا في ظل تنامي دور القطاع الصناعي في الاقتصاد الأمريكي.

 

وخلال الجلسة، أكدت الدكتورة سوزان هيلبر، أستاذة الاقتصاد في كلية "ويذرهيد" للإدارة في جامعة كيس ويستيرن ريسرف، وكبيرة الاقتصاديين السابقة في وزارة الاقتصاد الأمريكية، بأن الصناعة تشهد نمواً كبيراً في الولايات المتحدة الأمريكية. وأشارت إلى أن الاقتصاد الأمريكي يمر اليوم بمرحلة انتقالية، حيث فقد قطاع الصناعة ثلث وظائفه في الفترة بين عامي 2000 و2010، في حين نجح القطاع في إضافة 800 ألف وظيفة في الفترة ما بين عامي 2010 و2013، ليبقى عدد الوظائف مستقراً نسبياً منذ ذلك الوقت."

 

وأضافت هيلبر أن الانتعاش فى الوظائف انخفض في محاولة لانقاذ صناعة السيارات، وزيادة المنح البحثية، فضلاً عن زيادة وعي القطاع الخاص بالتكاليف الخفية لنقل عملياتها الانتاجية إلى خارج الولايات المتحدة مثل انخفاض المرونة والفصل بين الابتكار والصناعة.

 

ومن ناحية أخرى، حذرت سوزان هيلبر من أن جودة الوظائف لم تشهد تحسناً ملحوظاً مع دخول التكنولوجيا. وأكدت هيلبر على أنه مع تحسن الوظائف ضمن قطاعات الهندسة، إلا أن المزيد من الوظائف ذات المهارات  المنخفضة والدخول المنخفضة ازدادت عدداً وبدون توفير برامج تدريبية تساهم في تحسين مخرجات هذه الوظائف.

 

وأضافت هيلبر في ذات السياق: "لقد شهدنا بالفعل زيادة في الحوادث التي يسجلها قطاع الصناعة في الولايات المتحدة، وبات ثلث العاملين في قطاع الصناعة مؤهلين للحصول على تعويضات ومعونات من الحكومة. لذا أعتقد أن سياساتنا يجب أن تكون أكثر وضوحاً وملزمة لجميع شركات الصناعة الأمريكية. وينبغي على الشركات أن تخرج من صومعتها وتدرك إمكانات الاستثمار في التدريب والابتكار، ليس فقط في الولايات المتحدة ولكن في دول أخرى كذلك".

 

وبدوره، أشار داني سبرايت رئيس مجلس الأعمال الأمريكي الإماراتي، على أن القطاع الصناعي قد لا يتمكن من توفير وظائف أفضل كما وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية. وأردف سبرايت: "استندت حملة الرئيس ترامب الانتخابية على وعد مثالي بتوفير وظائف عالية الأجر في قطاع الصناعة، إلا أن مثل هذه الوظائف لم تعد متاحة في القطاع الصناعي."

 

وأضاف سبرايت: "ومع ذلك، تستمر الولايات المتحدة الأمريكية بتصنيع الكثير من المنتجات، حيث ارتفع إجمالي الإنتاج الصناعي بنسبة 250% منذ العام 1980 وحتى العام 2015. ولكن أعداد القوى العاملة تناقصت نتيجة لأتمتة خطوط الإنتاج وتعهيد الإنتاج إلى دول أخرى."

 

وتزيد مساهمة الشركات الصناعية الأمريكية في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية عن 2.17 تريليون دولار، وتوظف نحو 9% من إجمالي القوى العاملة، وذلك وفقاً للرابطة الوطنية للمصنعين. ويشكل القطاع الصناعي المحرك الرئيسي للصادرات والاستثمار الأجنبي المباشر في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

وأضافت الدكتور هيلبر: "لطالما كانت الولايات المتحدة محرك النمو في الاقتصاد العالمي، إلا أن حالة التقشف الأوروبي كانت سبباً في ركود نمو الوظائف في قطاع الصناعة الأمريكي. وسينعكس التركيز على تحسين الأوضاع الداخلية سينعكس إيجابياً على قطاع الصناعة. وقد حان الوقت لتركز الشركات الصناعية الإماراتية على الابتكار والتدريب، والتوجه نحو تعزيز الاتفاقيات التجارية الداخلية، تماماً مثل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، والتي ساهمت بنمو الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنها أدت في الوقت ذاته إلى خفض الأجور لشرائح معينة من المجتمع المحلي."

 

ومن ناحيته، قال سبرايت: "أعتقد أن العديد من قادة قطاع الأعمال كانوا من الداعمين لدونالد ترامب وذلك لأنه رجل أعمال مثلهم. وقد وعد ترامب خلال حملته الانتخابية بالتركيز على قطاع الأعمال. كما قام خلال الحملة الانتخابية بعقد اجتماعات مع شركات تصنيع السيارات، وكبريات العلامات التجارية ضمن قطاع التجزئة، وشركات صناعة الأدوية، وخطوط الطيران والكثير الشركات الصناعية، مما ساهم بحصده مزيداً من الدعم من هذه الجهات. وكذلك، فقد قام بإنشاء مجلس وطني للصناعة يضم 28 رئيساً تنفيذياً لإسداء المشورة له بشأن قضايا مثل البنية التحتية والإصلاح الضريبي وتدريب القوى العاملة، وسيساهم أعضاء المجلس في بلورة سياسات القطاع الصناعي المستقبلية."

 

وأوضح سبرايت أن قادة القطاع الصناعي الأمريكي لم يبدوا اهتماماً بالابتكار بل ركزوا على التخفيف من قبضة القوانين والإصلاحات الضريبية، مشيراً إلى أن ترامب بدأ بالفعل بتقليص قوانين حماية البيئة.

 

 

ومن ناحية أخرى، أشارت الدكتور هيلبر إلى أن تخفيض القوانين التنظيمية قد لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق نمو حقيقي. وأكدت هيلبر: "للقوانين المنظمة للصناعة جوانب سلبية في العادة إلا أن لها جوانب إيجابية. وتؤكد الدراسات إلى أن الفوائد يمكن أن تشكل ضعفين أو ثلاثة أضعاف الجوانب السلبية". وأشارت إلى أن صناعة السيارات قد تتأثر نتيجة لقوانين ترامب الجديدة حيث لن تكون الولايات المتحدة مهتمة بالكفاءة في استهلاك الوقود، الأمر الذي يضر بصادراتها إلى بلدان ترتفع فيها أسعار الوقود.

 

وبدوره، كان سبرايت أكثر تحفظاً تجاه إجراءات حماية القطاع الصناعي التي قد يتخذها الرئيس ترامب، مبدياً تخوفه بشأن موقف الولايات المتحدة تجاه الصين وأعرب عن دهشته لتحول تأييد التجارة الحرة من واشنطن إلى بكين.

 

واختتمت الدكتور هيلبر بأن التجارة تحتاج إلى الابتكار وليس استغلال العمال، مشيرة إلى أن التجارة ليست حرة على أية حال، لأنها في حال كانت كذلك ما كنا لنشهد اتفاقيات يصل حجم نصوصها إلى 3 آلاف صفحة، لافتة إلى أنه بدلاً من اضاعة الوقت في تحديد التعرفات والتفاصيل الفنية الأخرى ينبغي أن تركز الاتفاقيات التجارية المستقبلية على تحسين أوضاع وظروف العمال. ومع ازدياد خطر البطالة في الوقت الحاضر، نحتاج إلى التركيز على نوعية الوظائف وليس على عددها.

 

وتعقد الدورة الافتتاحية للقمة العالمية للصناعة والتصنيع في جامعة باريس السوربون أبوظبي حتى 30 مارس 2017. وتعتبر القمة مبادرة مشتركة بين وزارة الاقتصاد في دولة الإمارات ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، وتشارك في استضافتها دائرة التنمية الاقتصادية – أبوظبي، تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة. وتعد القمة أول تجمع عالمي للقطاع الصناعي يجمع صناع القرار من قادة الحكومات والشركات ومنظمات المجتمع المدني لتبني نهج تحولي في صياغة مستقبل القطاع.

وتكتسب القمة العالمية للصناعة والتصنيع أهمية عالمية حيث تتيح للشركات المشاركة فرصة الاطلاع على أفضل الممارسات العالمية في قطاع الصناعة. وسيطلق هذا التجمع العالمي الأول من نوعه العديد من الأفكار والرؤى الجديدة ويمهد الطريق للنقاش والعمل على تمكين القطاع الصناعي من المساهمة في صياغة مستقبل جديد للمجتمعات العالمية، ودمج الأنشطة الصناعية في الأسواق المتقدمة والناشئة، وتكريس المسؤولية الاجتماعية للشركات تجاه الأجيال المقبلة، والتأكيد على دور القطاع الصناعي في إعادة بناء الازدهار الاقتصادي العالمي. وستجمع القمة قادة القطاعين العام والخاص، وممثلي المجتمع المدني، لمناقشة التحديات العالمية في قطاع الصناعة. وستركز القمة على ستة محاور رئيسية وهي: التكنولوجيا والابتكار، وسلاسل القيمة العالمية، والمهارات والوظائف والتعليم، والاستدامة والبيئة، والبنية التحتية، والمعايير، والمواءمة بين الجهات ذات العلاقة بالقطاع الصناعي.