ليس مثله أحد، فما حققه هذا الرجل يعد من المعجزات، وإذا كان حظه من التعليم الرسمى شحيحا، فإن ثقافته بلغت الآفاق، ومعارفه تجاوزت المعقول، وذوقه الرفيع دفعه للافتتان بشوقى وطه حسين وسلامة موسى وأم كلثوم وعبدالوهاب.

ولد هذا الرجل الفذ فى 22 يونيو عام 1924 فى قرية فقيرة منسية تابعة لمركز كفر الزيات بمحافظة الغربية، ولما بلغ السابعة مات أبوه، فاضطر إلى الخروج من المدرسة، مع شقيقه الذى يكبره بعامين، والتحقا للعمل بورش تصنيع الطرابيش، ثم انتقل، عندما رسا على شاطئ الصبا، إلى العمل فى مصانع المحلة للغزل والنسج.

تلقى أصول الصنعة على يد مهندس إنجليزى، فلما أثبت كفاءة بالغة فى عمله، مضى المهندس يتحاور معه فى أمور كثيرة، وفوجئ بأن الفتى يتمتع بعقلية منفتحة وروح متصالحة الحياة، وعشق لا نهائى للمعرفة والأدب والفن.

فى عام 1940 قرر الشاب الصغير هجر المحلة والقدوم إلى القاهرة للعمل فى مصانع النسيج بشبرا الخيمة، وكما قال لى: (كل ما كنت أحبه كان فى القاهرة.. سلامة موسى وطه حسين ويوسف وهبى ونجيب الريحانى وأم كلثوم وعبد الوهاب ومجلة الهلال والصحف اليومية.. كل شىء جميل فى القاهرة).

انخرط الشاب المفعم بالحماسة فى الحركة الوطنية التى اشتعلت عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانحاز بحكم انتمائه الطبقى إلى الفقراء من عمال وفلاحين، وأدرك الطريق إلى الكتب التى تفضح الاستغلال والاستبداد، فآمن بالبسطاء وذاق محنة الاعتقال مع شقيقه فى نضالهما مع الآلاف ضد الاحتلال الإنجليزى من ناحية، وضد توحش رأس المال من ناحية أخرى.

خلال رحلة حياته لم يتوقف يومًا على القراءة والاطلاع، وواظب على اصطحاب زوجته الصغيرة إلى حضور ندوات سلامة موسى، أستاذ نجيب محفوظ، التى كان يعقدها فى فيلته بالفجالة فى أربعينيات القرن الماضى، ثم خطا خطوة كبرى عندما قرر أن يمحو أمية زوجته، فعلمها القراءة والكتابة، فأدمنت الاطلاع على مجلة الهلال والروايات المترجمة، ثم تعرفت على أعمال نجيب محفوظ، وفى نهايات عمرها أطلعها ابنها على روايات ماركيز.

أنجب الرجل القدير من الأبناء سبعة، واهتم بتعليمهم جميعًا، وحقق الأبناء أحلام أبيهم، فتفوقوا ووصلوا إلى مناصب مرموقة فى الدولة المصرية، فمنهم من بلغ وكيل أول وزارة، ومنهم من بلغ درجة مدير عام، وإحدى ابنتيه نالت الدكتوراه فى الذرة من لندن!

لأم كلثوم عبدالوهاب أكبر منزلة فى صدر الرجل المتفرد، وكم شرح لأبنائه سحر الكلمات والقصائد وروعة الموسيقى ورهافة الأداء، وعندما شارك أبناؤه الكبار الثلاثة فى حرب أكتوبر 1973 أصيب الرجل بجلطة فى القلب، ألزمته الإقامة الدائمة بالبيت، وفى فجر 12 مارس من عام 1995 مات بهدوء تاركا فى صدور كل من عرفوه حسرة لا تنقضى!

نسيت أن أخبرك أن هذا الرجل الجميل اسمه عبدالفتاح إبراهيم عراق.

أجل.. عشرون عامًا مرت يوم 12 مارس على رحيل أبى.