ختم إدوارد سعيد مذكراته الموسومة: "خارج المكان" بحديث حميم عن أمه . كلنا، كقراء، أدركنا من صفحات الكتاب تلك العلاقة المركبة، المعقدة التي شدت الابن إدوارد لهذه الأم ذات الشخصية القوية، وأدركنا بالتالي التأثيرات المتناقضة، المتضاربة لسلوكها في شخصيته، لكنه في الصفحات الأخيرة يفاجئنا بتلك الرقة التي يتحدث فيها عن أمه .

ومقدار تأثرنا بهذه الصفحات ناجم ليس فقط من حميمية العلاقة التي يشرحها الكاتب، إنما لأنه يحيل ذاكرة كل منا كقراء إلى مقدار تأثير الأم في شخصية أي منا، حتى لو لم نكن نعي هذا التأثير، وحتى لو لم نكن بحساسية ورهافة وموهبة إدوارد سعيد كي نكتب عنه .

يعترف المؤلف بشيء مشابه: "ظلت أمي تشكل مرجعاً لي معظم الأوقات وبطرائق لا أعيها تمام الوعي ولا أفهمها على نحو محدد" . لكنه رغم ذلك يروي عدة أمثلة عن مقدار التأثير الذي مارسته في حياته باهتمامها وحنوها الأمومي الغامر، حتى في أدق تفاصيل حياته الشخصية .

بعد حين وجد نفسه غارقاً في الاهتمام بالعمل السياسي منهياً بذلك سنوات طويلة من عدم الاكتراث بالسياسة بدءاً من حياته الطلابية والجامعية غير المسيسة، تحت تأثير الصدمة المهولة لهزيمة 1967 التي أعادته إلى نقطة البداية، إلى الصراع على فلسطين، وحاجته إلى كسر الصمت المفروض قسراً، لينخرط في الوقائع السياسية المعقدة التي سببت له مشكلات كثيرة، كان لأمه يومذاك رأي آخر: "عد إلى كيانك الأصلي، أنت أديب . السياسة في العالم العربي تدمر الناس الصادقين الطيبين من أمثالك" .

لم يأخذ الابن بنصيحة أمه كما يفعل الأبناء عادة حين تستحوذ على أذهانهم فكرة أو مثال . لكنه أخذ عنها شيئاً آخر غريباً هو الأرق . نعم! الأرق، العجز عن النوم، كانت خلال الأشهر الأخيرة من حياتها قد شكت له عن بؤس محاولاتها الإخلاد إلى النوم، كانت قد أصيبت بالسرطان ورفضت بإصرار إلحاح طبيبها بتلقي العلاج الكيميائي، وقد نجم عن ذلك أن حرمت من النوم طويلاً .

يقول الابن في مذكراته: "أخمن أن عجزي عن النوم هو آخر ما أورثتني إياه، على النقيض من نضالها هي لتنام، فإن النوم عندي أمر يجب الانتهاء منه بأسرع ما يمكن . وصلت إلى نقطة لم أعد أرغب في النوم أصلاً . النوم عندي معادل للموت . . إن الأرق عندي حالة مباركة أرغب إليها بأي ثمن" .