استعرض نخبة من الخبراء والمتخصصين الإماراتيين والعرب والعالمين تجاربهم وخبراتهم في مجال السعادة والإيجابية وكيفية تحويلها إلى ثقافة وأسلوب حياة بما يرسخ قيم العطاء والخير خلال فعاليات "رحلة السعادة" التي نظمها البرنامج الوطني للسعادة والإيجابية اليوم السبت، بمناسبة الاحتفال باليوم الدولي للسعادة الذي يصادف 20 مارس من كل عام.  

العلاقات الإنسانية القوية أساس السعادة في حياة الأفراد

وناقشت جلسة  "أطول دراسة للسعادة، وأهمية علاقاتنا الاجتماعية" التي قدمها الدكتور روبيرت والدينغر مدير الدراسة في جامعة هارفرد، جوانب الدراسة التي امتدت لأكثر من 75 عاماً حول مفهوم السعادة، والتي أظهرت أن الدول كانت تقيس السعادة على مدى عقود استناداً إلى الناتج القومي الإجمالي، ودور الأمن الاقتصادي كعامل في ازدهار البشرية، ومع ذلك فقد أظهرت الإحصاءات أنه رغم زيادة دخل الأفراد خلال السنوات الـ 50 الماضية في أمريكا إلا أن مؤشر السعادة لم يرتفع.

وأشار والدينغر إلى أن الدراسة أجريت حول الأهداف الرئيسية في الحياة، وبينت أن 80% ممن شملتهم الدراسة هدفهم أن يصبحوا أغنياء، فيما قال أكثر من نصف المشاركين في الدراسة أن هدفهم أن يصبحوا من المشاهير، في الوقت الذي أشار عدد كبير منهم إلى أن التفوق بالعمل هو الهدف الأساسي. 

وأوضح أن "أطول دراسة للسعادة لجامعة هارفرد" شكلت أقوى وسيلة لفهم التنمية البشرية ومسببات السعادة لدى البشر، وقد بدأت الدراسة منذ عام  1938 وتستمر حتى يومنا هذا، وقد تم إجراؤها على مجموعتين من الرجال بداية من خريجي جامعة هارفرد وعددهم 268 شخصاً، و456 طفلاً من أفقر الاحياء في بوسطن. وبين أن الدراسة رصدت الجوانب الوظيفية والصحية والاجتماعية والعائلية، وأظهرت أهمية العلاقات الاجتماعية في توفير السعادة للإنسان، حيث تسهم العلاقات القوية مع الأشخاص سواء علاقات الزواج أو الصداقة أو زملاء العمل  في المحافظة على صحة الجسم، فيما تسبب الوحدة شعور الناس بعدم الراحة والاعتلال الصحي.

وأكد والدينغر أن استقرار العلاقات هو أساس السعادة في حياة الأفراد، لذا من المهم الانتباه إلى التهديد الكبير الذي يسببه التطور التكنولوجي للعلاقات العائلية والتواصل الإنساني المباشر، والتي تحمل الإنسان إلى عالم أكثر عزلة مشدداً على ضرورة إعادة هيكلة حياتنا لمكافحة العزلة.

التعامل الجيد مع الضغوط النفسية يحقق الحضور الذهني والسعادة

وناقشت جلسة "الحضور الذهني والسعادة" التي قدمتها الدكتورة بريار جاكس، مستشارة علم النفس ومدربة الحضور الذهني، ماهية الحضور الذهني وأفضل الأساليب لامتلاك ذهن متقد وصاف وقادر على التفكير بإيجابية وتوفير الشعور بالسعادة للفرد.

وعرفت جاكس الحضور الذهني على أنه حالة الهدوء والسلام النفسي والشعور بالاسترخاء، مؤكدة أن الاشخاص ذوي الانشغالات الكثيرة لا يستطيعون تحقيق الحضور الذهني، لأنه يتطلب من الأفراد أن يتواجدوا بشكل كامل في الحاضر، وأن تكون لديهم القدرة على مراقبة أفكارهم والشعور بكافة حواسهم في كل وقت.

وأكدت أنه للحصول على حضور ذهني جيد يجب أن نكون متعاطفين مع أنفسنا بقدر تعاطفنا مع الآخرين ونتعامل بشكل صحيح مع الضغط النفسي الذي قد نتعرض له، لنحمي دواخلنا من تحول الضغط النفسي إلى مرض مزمن، ولا يمكننا ذلك إلا من خلال معالجة مجموعة مهمة من التحديات العقلية والعاطفية التي قد تواجهنا مثل: القلق، الكآبة، الشعور بالصدمة، والاضطرابات الأخرى.

وأفادت أن الحضور الذهني والشعور بالسعادة يتطلبان أن نطور عادات النوم الخاصة بنا، وأن تصحيح عادات النوم يسهم في تعزيز قوة إرادتنا وتقديرنا لذاتنا، ويرسخ الإحساس بالتعاطف والتقدير لدى الأفراد.

كما قدمت جاكس شرحاً موسعاً عن الطرق الصحيحة للتأمل وصفاء الذهن والتي من شأنها أن تتيح فرصة لتحقيق السعادة للفرد.

الأفكار تلعب دورا رئيسياً في التأثير على المشاعر

وتحت عنوان "الأفكار ودورها في التأثير على المشاعر"، بدأ الدكتور نايف المطوع، الطبيب النفسي في علم النفس السريري محاضرته حول آلية تغيير منهج التفكير للوصول  إلى المشاعر الإيجابية.

وبين الدكتور نايف أن مزاج الأشخاص لايتعكر بسبب وقوع الحوادث السلبية وإنما بسبب نظرة الأشخاص الناتجة عن التفكير السلبي بهذه الحوادث. منوهاً أن الوسطية في التعبير عن ما بداخلنا هي الوسيلة المثلى.

وأشار المطوع إلى أن سبيلنا للوصول إلى النتيجة المثلى يعتمد على الانتقال إلى المشاعر الإيجابية على شكل مراحل، وذلك عبر تحليل المتغيرات الأساسية المسببة للحوادث السلبية بأسلوب هادئ وسلس بعيد عن التشاؤم والتهويل.

وقال المطوع: "لا بد من الانطلاق بقواعد تفكير أكثر وسطية للوصول إلى المشاعر الإيجابية، وذلك عبر تبديل الغضب بالإنزعاج والاكتئاب بالاستياء والقلق بعدم الراحة، فعند ترسيخ قناعة الغضب الأعمى أوالاكتئاب الأعمى أوالقلق فلن يسهل عملية تجاوز المواقف وإنما سنبقيها كما هي ومن المرجح أن نزيدها سوءاً.

قيم الإيجابية والسعادة تعم المجتمع الإماراتي

وأكد محمد العيدروس سفير السعادة رئيس مجلس السعادة في جامعة زايد، على أهمية دور النسيج الاجتماعي والمحيط الأسري في مساعدته على ترسيخ مشاعر السعادة في داخله، وتحدث عن دور المجتمع الإماراتي بكافة مكوناته في مساعدته على اجتياز كل المصاعب والتحديات التي واجهها كونه من ذوي الاحتياجات الخاصة.

وسلط العيدروس الضوء على دور القيادة الحكيمة في تغيير نظرة المجتمع بذوي الاحتياجات الخاصة، ما شكل له مصدر إلهام وكان سبباً في وصوله للقب سفير السعادة وتقلده لمنصب رئيس مجلس السعادة في جامعة زايد، وأشاد بالجهود الجليلة التي بدأها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" والذي كان له دور أساسي في وضع اللبنة الأساسية للوصول إلى المجتمع السعيد.

وبين العيدروس أن قيم ومفاهيم التفاؤل والإيجابية والسعادة تعم المجتمع الإماراتي، وأشاد بجهود قيادة دولة الإمارات في دعم الشباب، وعبر عن سعادته بالمبادرات الهادفة التي يطلقها البرنامج الوطني للسعادة والإيجابية.

وقال العيدروس: "السعادة تأتي بالإيجابية والتفاؤل بالمستقبل والقناعة وبقيمة وجودك سواء في البيت أو الجامعة أو المجتمع، وبالطبع أشكر الله على وجودي بين أطيب القلوب، شعباً وحكومة ومقيمين، والذين أكدوا أننا لسنا ذوي احتياجات وإنما ذوي عطاءات، وأننا قادرون على تحقيق المستحيل". 

الإيجابية وسيلة الإنسان للسعادة

وأكدت حنان السماك، الشريك المؤسس لـ "هارت ماسترز" في جلسة "عش حياتك بهدف" أن السعادة أمر نسبي ولا علاقة لها بالمكان والزمان أو الغنى أو الفقر بل هي حالة تنبع من داخل الشخص ذاته.

وأشارت إلى أن أفضل نموذج للسعادة هو ما وضعه عالم النفس مارتن سيليغمان المعروف باسم نموذج "برما" والذي يتكون من خمس نقاط تساهم في جعل من يطبقها إنساناً سعيداً وهي الإيجابية، والمشاركة، والعلاقات الاجتماعية، والمعنى، والإنجاز.

وقالت السماك: "ينبغي على الإنسان أن يكون إيجابياً ليعيش سعيداً لأن السعادة عبارة عن لحظات نوفرها لأنفسنا وتنبع من قوة أفكارنا وينبغي على الإنسان ألا يجعل ماضيه أو لحظاته الحزينة تؤثر على حاضره وأن يفكر دائماً في المشاعر الإيجابية (الأمل، الفرح، السعادة) لأن الإنسان بطبيعته ولد سعيداً".

وأشارت إلى أن الانشغال بشيء في الحياة والمشاركة في المبادرات من الأمور التي تجعل الإنسان سعيداً، داعية كل شخص إلى البحث عن شيء يحبه ويتوافق مع قيمه وأفكاره الإيجابية التي يؤمن بها ليشارك فيه ويفعله ليفرغ فيه طاقته.

وأكدت السماك أنه ينبغي على الإنسان أن يكون لحياته هدف ومعنى في كل ما يقوم به من عمل، وقالت: "هناك خمس نقاط لنموذج السعادة، حيث أنه ليس هناك حاجة للإنسان أن يتحدث عن إنجازاته بل هي من ستتحدث عن نفسها وهي الكفيلة بإعطائه الوقود والطاقة للاستمرار في أعماله الإيجابية التي تدخل السعادة على قلبه وقلوب الآخرين".

المشاعر والأفكار والمكان والأشخاص مفاتيح السعادة

وبينت الدكتورة أمار بهبهاني أستاذة ومعالجة فنية ومطورة برامج تعليمية في جلسة بعنوان الإبداع مفتاح السعادة عند الأطفال أن عناصر السعادة كثيرة تشتمل على المشاعر والأفكار والمكان والأشخاص، وهذه العناصر هي ما يميز دولة الإمارات ويجعلها دولة سعيدة، واستعرضت بعض الصور التي ترمز للسعادة بكافة أشكالها، سواء كانت بسمة طفل رضيع أو نسمة بحرية على شاطئ مشمس.

وتطرقت بهبهاني إلى العلاقة بين الإبداع والسعادة، وتساءلت حول مصدر الإبداع، فهل هو فن أو مشاعر أو أفكار أو قدرة أو شيء متوارث جينياً. وقدمت شرحاً مقتضباً حول أسباب تعدد تعاريف السعادة والإبداع، وأكدت على ضرورة المزج بينهما لتأسيس مفهوم واحد يدعى "السعادة الإبداعية" وبما يسهم إيجاباً في مستقبل الأطفال ويرتقي بتعليمهم ونهج تفكيرهم لإحداث التغيير المطلوب في حياتهم.

وأشارت إلى أن مفهوم "السعادة الإبداعية" يبدأ من منح أطفالنا حرية التفكير وتوفير مساحة كافية للتعبير عن أنفسهم، خصوصاً في ظل افتقار معظم المناهج التعليمية حول العالم لأبسط أسس "السعادة الإبداعية".

وأكدت بهبهاني على أهمية إرساء أسس التطور الذاتي عند الأطفال، وما ينطوي على ذلك من ضرورة تنويع الأساليب التعليمية المتبعة في تلقينهم لأساسيات العلوم والآداب، نظراً لاختلاف ذكاءاتهم وما يقتضي ذلك من ضرورة قصوى لصياغة أساليب قادرة على مسايرة هذا التنوع.

ودعت الأهالي إلى منح أطفالهم فرصة اللعب والتفكير لاستشراف الإبداع وإيجاد جوهر مخيلتهم الإبداعية التي تقودهم إلى تحقيق الإنجازات والارتقاء بالعالم الذي نعرفه اليوم إلى آفاق أكثر إشراقاً.


نيام هدسون: "اصرخ عالياً .. أنا سعيد"

وتحدث نيام هدسون الملقب بـ"كنج ناه"، وهو أصغر ملهم ومتحدث في العالم في جلسة ضمن فعاليات رحلة السعادة، حيث تفاعل مع الحضور وطلب منهم أداء بعض الحركات المحفزة لرسم البسمة ونشر السعادة، داعيا الجمهور إلى التعبير عن سعادتهم بالصراخ عالياً "أنا سعيد".  

وعبر نيام عن سعادته الكبيرة كونه أصغر المتحدثين في هذه المناسبة، وقال: "لا تحكموا بأن صغر سني يمنعني من فهم السعادة أو حتى التكلم عنها، فالأطفال منبع السعادة والقادرون على التكلم عنها وعلى تقديم أمثلة مبهرة عن كيفة نشر السعادة وتعريفها لكم".

وأضاف المتحدث "السعادة لا يمكن تحميلها عبر المواقع الإلكتروني، ولا يمكن شراؤها، بل هي بداخلك، تأمل بذاتك وستجدها بانتظارك، وعبر عنها بحركاتك واجعل الابتسامة تعكس سعادتك أمام الجميع".