شهد القرن العشرون العديد من المفارقات فخلاله نشبت حربان عالميتان حَصدت على إثرهما مئات الآلاف من الأرواح، في حين أنه يُعتبر من أهم الأحقاب الزمنية على الصعيد العلمي والتطور التكنولوجي.

صحيح أن الطفرة الصناعية هي المسبب الفعلي للحرب العالمية الأولى، إلا أنه وبفضلها شهدنا تطوراً مهولاً لوسائل النقل الجوية والبحرية وحتى البرية، بخلاف مساهمتها في تطوير واستحداث العديد من الصناعات.

خلال هذه الفترة وصلت شعوب كاليابان وألمانيا إلى القمة وفي الفترة ذاتها هبطتا إلى القاع، فبعد الحرب العالمية الثانية أصبحتا دولا محروقة غير صالحة للعيش، وخلال 20 عاماً نهضتا وعادتا إلى القمة، وأثبتتا تواجدهما على الأرض ليس كقوة عسكرية إنما كقوة اقتصادية وصناعية.

الإرادة القوية أو الجبارة التي تحلى بها الشعب الياباني، والتي ساعدته للنهوض من جديد رغم أنهم في حينها كانوا لا يملكون إلا ورقة وقلم، ومعلم يجلس أمامهم في أرض جرداء لا يتواجد فيها أي من مقومات التعليم سوى المنهج والنهج الصحيح، والعزيمة الحديدية، والمدير الناجح، والروح الرياضية التي جعلتهم يتقبلون الهزيمة في الحرب، ليس لأنهم ضعفاء بل لأنهم تعلموا الدرس «الحروب والسياسة ما تأكل الخبز» كما نقولها بالعامية.

إدارة الشعوب ومقدراتها ليس بالأمر السهل، إنما يتطلب مجهودات جبارة، فإن كنا نعاني من فقدان للذاكرة، ولم نتعلم من قصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما طلب أن يكون مسؤولاً عن وزارة الاقتصاد في وقتها بقوله تعالى {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}، وذلك بعد أن مده الله عز وجل بالمعرفة لكيفية إدارة مقدرات البلاد بالطريقة الصحيحة.

ولنا في هذه الحقبة الزمنية العديد من الدروس المستفادة في هذا الشأن، فسنغافورة مثلاً استطاعت خلال 10 سنوات أن تُحدث فارقاً في حياة شعبها، وذلك عن طريق تطوير جميع القطاعات «نهضة تطويرية» شاملة، فأصبحت في مصاف الدول المتقدمة.

ولو تتبعنا مسيرة دول العالم أجمع في إدارة الشعوب فسنجد بأن جميعها لديها تجربة في التطوير، ولديها حالة خاصة مكنتها من النجاح أو الفشل، ولن أركز على الفشل لأننا شربناه علقماً من واقع حال دولنا العربية، فما أن تسمع عن خطة تطويرية أو خطاباً سياسياً فلن تجد إلا مثل هذه الشعارات الرنانة «الفارغة» (تشجيع الاستثمار، خلق فرص وظيفية جديدة، والبحث عن بدائل اقتصادية، تنويع مصادر الدخل).

علينا أن نقرأ تاريخ الأمم ونتعلم من تجارب الآخرين وهذا أيضاً ما طالب به صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، لذا دعونا نتعلم لنكتشف أين تكمن مشكلتنا، فمثلاً شركة «نستله» السويسرية وإن كنتم تجهلونها فلا اعتقد أنكم تجهلون منتجاتها «السيريلاك وحليب النيدو»، هذا العملاق الذي يستحوذ على نسبة كبيرة من سوق المنتجات الغذائية حول العالم، فهل كان السبب في هذا الانتشار وجود ثروات حيوانية وزراعية في سويسرا تمكنها من إنتاج هذا الكم من الغذاء؟،

أم السبب يكمن في وجود عقول قادرة على إدارة ثروات العالم تحت علامة تجارية سويسرية؟، ولننظر إلى شركة «نوتيلا» أيضاً التي تستخدم ثلث إنتاج العالم من الكاكاو لكي تصنع لنا الشوكولاتة اللذيذة، ومن هنا يمكننا أن نتعرف على مشكلتنا، فالمشكلة ليست بمقدرات الدول وما تحمله بطون أراضيها، المشكلة الحقيقية في الكيفية التي تدار بها هذه المقدرات والثروات.

يوعز البعض جازماً أن مقدرات وثروات البلاد هي العامل الوحيد للتطور، وهذا صحيح لكن ليس بمجمله ولا بتعميمه، فالبترول مثلاً يعد حالياً من أهم الثروات الطبيعية، وصحيح أنه عامل مهم وراء نهضة العديد من الدول، إلا أن هناك نماذج لدول تملك مخزونا كبيرا من النفط،ورغم ذلك مازالت متأخرة في نهضتها كنيجيريا، وباكستان، والجزائر، فالعبرة ليست بامتلاك الثروات إنما بكيفية إدارتها.

صحيح أن دولتنا دولة الإمارات لديها مقدراتها البترولية إلا أن حكمة قياداتنا والتي تعلمت الدرس فنوعت من مصادر دخلها، لتكون خير مثال ودرس يتعاقبه الأجيال في الإدارة الناجحة لثروات الوطن.

وإن كنا نضرب المثل بإنجازات اليابان كنموذج لشرق آسيا، فقيادتنا استطاعت خلال 40 سنة أن تجعل من إماراتنا نموذجاً شرق أوسطياً للتطور على الرغم من وجود الكثير من التهديدات المزعزعة للاستقرار في المنطقة وهذا ما أكد عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد خلال الكلمة الرئيسة في ختام فعاليات «مجلس محمد بن زايد لأجيال المستقبل».

القرن العشرون فيه الكثير من الدروس والعبر والتي من خلالها يمكننا التعرف على المشكلة وسنجد في ثناياها الحل، فما يلزمنا في وطننا العربي أن نؤسس لثقافة جديدة تعتمد في نهجها ومنهجها على الابتكار الحقيقي وليس كشعار لجذب الانتباه، وأن نحول التوجه الفكري الباحث عن المنصب والعمل السياسي إلى الطامح بأن يغير أسلوب حياة، ومسيرة أجيال بأكملها، ليس لكونه مسؤولاً بل لأنه يحمل على عاتقه مسؤولية.

بعد أن سردنا ما سردناه باستعراض بعض تجارب العالم خلال القرن الماضي، علينا الآن أن نلخص المشهد ونخرج بدرسنا المستفاد أن «الأمة العربية لا ينقصها أي شيء سواء مقدرات وثروات أو عقول وأفكار، إنما ينقصها الإرادة القوية الطامحة والمؤمنة بقدرات أبنائنا».

إن أردنا لأمتنا أن تنهض علينا أن نمنهج هذا التوجه ونؤسس له في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا، في مجالسنا ومساجدنا، وأن نناقشه تحت قبب برلماناتنا وأن نُدرجه في توجهات حكوماتنا، وأن نكتبه في مقالاتنا ومؤلفاتنا، والأهم أن نحميه بقوة قوانيننا ودساتيرنا، وأن نجعله طريقاً واضحاً لأجيالنا مهما اختلفت توجهاتنا وسياساتنا، ليصبح فكراً راسخاً في عقول أبنائنا وبناتنا.

خطاب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد في كيفية إدارة الشعوب، تجربة تستحق أن تُدرس والاستفادة من دروسها وعبرها الكثيرة، وما مقالنا اليوم إلا نظرة إيجابية لكيفية تحسين واقع الحال العربي، وتسليط الضوء على تجارب الآخرين لنتعلم منها ونأخذ منها ما يُفيدنا.

البيان