إن الجمع بين الخطاب الديني المتطرف والثورة الرقمية، هو الذي أنتج لنا ما نعانيه اليوم في عدة ساحات إقليمية وعالمية، أي تواتر العديد من الأخبار والمعطيات ذات الصلة ببعض قضايا العنف والتطرف والإرهاب في عالمنا لمعاصر عربياً وإسلامياً، وحتى غربياً، والتي أصبحت مرتبطة بتأثير ودور تلك الثورة الرقمية في وقوع هذه الأحداث. وهذا ما أصبح يتنبه إليه بشكل متنامٍ كثير من الدراسات والأبحاث حول الظاهرة، ولو أن الاشتغال الجماعي عليها لا زال متواضعاً في المنطقة، إما بسبب عدم الوعي الكافي والشامل بأدوارها، أو لأننا إزاء وعي قائم، ولكن لم يتم تفعيله بعد بالقدر الكافي عبر تنظيم مؤتمرات نوعية، لتسليط الضوء على تأثير وأدوار الثورة الرقمية في انتشار التطرف، بما فيه التطرف العنيف، وهو التطرف الذي عانت منه العديد من دول العالم بالأمس واليوم، بل ستبقى معرضة له، طالما بقيت أسبابه قائمة، دون التفاعل النظري والعملي معها، عبر القراءة والتفكيك أولاً، واقتراح البدائل ومخارج المواجهة ثانياً.

 

 

وتزداد إلحاحية هذا الاشتغال اليوم إذا أخذنا بعين الاعتبار ما يميز الفضاء الرقمي، وفي مقدمة هذه المُميزات، أنه أصبح ساحة للتوظيف والتأثير والتغرير، كما أنه ساهم أيضاً في تكسير قواعد الصناعة في كل مجالات الحياة، وأحدث طفرة في هذا المجال وليس ثورة فحسب، مخلخلاً مجموعة من القواعد والأسس التي كانت سارية في السابق.

 

كما أن مُستجدات العالم الرقمي، وخاصة الجيل الثاني من شبكات التواصل الاجتماعي («فيسبوك» و«تويتر» و«اليوتيوب»)، أتاحت منابر واسعة للنقاش والحوار وتبادل الآراء والأفكار، وحشد الجماهير لمناصرة قضية من القضايا، أو لتكوين رأي عام حول القائم منها، أو، كما هي الحال مع التطرف العنيف، تغذية خطاب العنف والإرهاب، خِدمة لمن يقف وراءه، في هذا المجال أو غيره.

ومن هنا نظّمت المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي والمؤتمر الإسلامي الأوروبي ندوة دولية يوم الثلاثاء 28 فبراير 2017 بعنوان: «مكافحة التطرف العنيف بالفضاء الرقمي»، وذلك بمقر المفوضية الأوروبية في بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي.

ووضع استراتيجية أوروبية عربية مشتركة لمواجهة التطرّف العنيف في الفضاء الرقمي كان أهم هدف للندوة، حيث كانت فرصة لعرض وصقل التجارب لخمس دول أوروبية: فرنسا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا والسويد، ولخمس دول عربية: المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت وجمهورية مصر العربية وبمشاركة المجلس الأوروبي والجهاز الأوروبي لمكافحة الإرهاب وفريق العمل الدولي لمتابعة مكافحة التطرّف العنيف.

وقد اهتمت الندوة بالإشكاليات التي تتعلق بالتشريعات الأوروبية ومسألة مكافحة التطرف العنيف وخصوصاً في وسائل التواصل الاجتماعي بين العمل الاستباقي والأمني وبين إشكالية حقوق الأفراد في المعلومات، تحضيراً للمؤتمر الدولي حول تجريم الإرهاب الإلكتروني الذي سيعقد قريباً بأبوظبي.

إن الاهتمام الأوروبي بالتجارب العربية في مكافحتها للإرهاب يأتي انطلاقاً من عجز الدول الأوروبية الأكثر استهدافاً من طرف الجماعات الإرهابية كفرنسا وبلجيكا وألمانيا وبريطانيا عن الحد من ظاهرة التحاق المئات من شباب الأقليات المسلمة بتنظيم «داعش» في سوريا والعراق وليبيا، بل وتنفيذ بعض عملياتهم في قلب أوروبا نفسها، مما أدى إلى تفشي ظاهرة الكراهية والعداء للآخر بحجة البحث عن الأمن المجتمعي ليتأصل خطاب العنصرية وخصوصاً الإسلاموفوبيا لدى أحزاب اليمين المتطرف المتصاعد بقوة بل قد تصل العدوى إلى كثير من الأحزاب الديمقراطية أيضاً.

الاتحاد