(1)

بعد أن أدت صلاة الفجر ورتبت غرفتها المطلة على الشارع الرئيسي، دلفت إلى المطبخ وأعدت طعام الفطور واطمأنت أن كل من في البيت أكل وشبع حتى خرجوا جميعًا تاركين إياها وحيدة، جلست جارتنا العجوز على الدرج الحجري لبيتها المنزوي خلف شجرة التوت الكبيرة في مدخل قريتنا الصغيرة ولوّحت بيديها "تهش" الكتاكيت والملل ثم قالت: "اللي نِبات فيه نصبح فيه".

(2)

أقف وراء الباب كثيرًا قبل أن أقرر الخروج، ثبتت صورتي على هذا المشهد أكثر من عشر دقائق، أحب هذا الصمت كما أحب كل أغاني الحرية وصوت أمي وهي لا تكف عن الدعاء، أحب ما أراه وراء الباب وأدرك أن فك الرموز لا يحتاج سوى أن أفتح الباب.

(3)

في الشارع "وشوش" البشر متشابهة إلى حد الذهول الذي انسحب على الملامح والعيون التي تدور يمينًا ويسارًا صوْب لافتات الأسعار في الفاترينات أو المثبتة على العربات الخشبية في الجوار. أحدق جيدًا في تلك الوجوه؛ فيلتفتون نحوي وينظرون إليّ بنفس التركيز ثم يديرون جميعهم وجوههم الناحية الأخرى، تمر الثواني ببطء قبل أن يختلس أحدهم النظر إليْ مرة ثانيةً؛ أنا أيضًا أقوم بنفس الفعل ولكني لم أفهم لماذا تحملق بي قطة خائفة تختبيء تحت لافتة "ممنوع الانتظار" على طرف الرصيف المكسور بناسه وحفره.

 

 

(4)

كمن تنتظر وعدًا صادقًا يأخذها بعيدًا عن كل هذه الفوضى المحيطة، أحمل نفسي وهواجسي وأسئلتي وأقف في مكاني! ثابتة تمام الثبات، أكف عن الكلام وأكثر من التحديق و"الحملقة" في اللا شيء. الفراغ الذي يهوى السخرية مني ويرعبني، الطبيعة نفسها ترتعب من الفراغ، كما يقول الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا، وأنا كما الفلاسفة القدامى أتساءل فيما لازالت في مكاني ثابتة أتعثر حتى في أنفاسي: هل الفراغ فارغ أم ممتليء؟ هل هو كيفي أم كمي؟ لا برهان في رأسي على أي شيء. رأسي لا تحمل غير "الصفر"، والصفر قرين الفراغ فى الرياضيات والفيزياء. ما أقسى الصفر والفراغ وثباتي "محملقة" في مكاني.

(5)

بمزيد من الوجع تخطفني رنة هاتفي المحمول إلى صوت الأم الملتاعة بسبب صغيرها الذي غافل والده حين أخذه إلى الحلاق، فخبأ في جيبه مُوسى الحلاقة فجرح إصبعًا في يده، يزيد من فزع الأم وهي تحكي لي كيف أن طفلها سيضطر إلى إجراء كافة تحاليل الدم للتأكد من خلو دمه من أي فيروس والعياذ بالله. هذه لحظة صعبة لا تكفيها النصائح أو التوبيخ، ولا تكفيني مكالمة هاتفية من صديقة أخرى قادمة من مدينة أوروبية إلى القاهرة، تخبرني أنهم في مطار المدينة الأوروبية احتجزوا طفلها الوليد والحاصل على جنسية أوروبية، ليتأكدوا من كافة الضمانات الصحية له، ولما أبلغتهم الأم أنها مصرية وتعرف بلدها جيدًا وأنها لن تعرض ابنها إلى أي مخاطر، وكادت تغني لهم "نيلها جوا دمي"، أجبروها على توقيع تعهد بعودة طفلها سالمًا، وهمس لها أحدهم: "ألا تعرفين أن القاهرة من أكثر مدن العالم تلوثًا؟"، بينما أفكر في أنه لم يكن ينقصني غير هذا الهراء التليفوني ليستدرجني إلى الواقع وهمه، تمر بجواري سيارة مسرعة ليصفعني صوت المطربة شيرين عاليًا: "ما شربتش من نيلها؟ طب جربت تغني لها"، وقبل أن أعود إلى نعيم الفراغ الذي كنت فيه منذ قليل، تعاود شيرين صفعي مرة أخرى: "ما مشيتش فى ضواحيها؟ طيب ما كبرتش فيها".