اختتمت اليوم أعمال الندوة الدولية: ( مكافحة التطرف العنيف بالفضاء الرقمي (الإنترنت)) وذلك بمقر المفوضية الأوروبية في بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي.
حضر الندوة ممثلون من خمس دول أوروبية : فرنسا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا والسويد، وخمس دول عربية: المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية ودولة الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية وبمشاركة المجلس الأوروبي والجهاز الأوروبي لمكافحة الإرهاب وفريق العمل الدولي لمتابعة مكافحة التطرّف العنيف.
وناقشت الندوة الإشكاليات التي تتعلق بالتشريعات الأوروبية ومسألة مكافحة التطرف العنيف خصوصاً في وسائل التواصل الاجتماعي بين العمل الاستباقي والأمني وبين إشكالية حقوق الأفراد في المعلومات.
كما كانت الندوة فرصة لعرض تجارب الدول العربية الخمس المشاركة في مكافحتها لظاهرة التطرف العنيف بالفضاء الرقمي ومحاربة جماعات القتال.
وفي جلسات الندوة تحدث الأستاذ يان فيجل (JAN FIGEL) من المفوضية الأوروبية عن ضرورة التعاون بين قوى الخير والسلم لمواجهة تيارات العنف والكراهية.
كما تطرق إلى طبيعة سياسة الاتحاد الاوروبي في علاقتها بالعالم العربي و الاسلامي  حيث حيا جهودهما في التعايش السلمي خصوصا بالمجتمعات الاسلامية التي بها أقليات دينية غير مسلمة مشيداً بمخرجات المؤتمر الثالث لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة وإعلان مراكش الذي أصبح وثيقة دولية يُشاد بها.
كما أشاد فيجل بالشراكة مع المؤتمر الاسلامي الأوروبي المعتمد لدى مؤسسات الاتحاد الأوروبي في قضايا الوجود الإسلامي بأوروبا و مقتضياته .
كما تحدث الأستاذ جيل بارنيو (GILLES PARGNEAUX) من البرلمان الأوروبي عن أولى ضحايا الإرهاب هم المسلمون وأن المواجهة  للتطرف العنيف أصبحت واجبة وضرورية. وأشاد بارنيو بالمبادرات العربية في مكافحتها للتطرف والبحث عن خيارات السلم و الحوار .
و أشاد بدور المملكة العربية السعودية في التحالف الدولي ضد الإرهاب و أداءها من خلال العلماء و المؤسسات التربوية في تحصين شباب الأمة الإسلامية من تيارات القتال المؤثرة مع الأسف الشديد في المواقع الالكترونية.
كما أثنى على دور دار الافتاء المصرية ووزارة الأوقاف المصرية والأزهر الشريف في انخراطهم منذ زمن طويل في عملية نشر الوسطية و الاعتدال ، و خير دليل على ذلك ما تقوم به دار الافتاء المصرية و وزارة الاوقاف  في الرد على الشبهات بكل اللغات .
وامتدح في حديثه جهود المملكة المغربية ودورها الواضح في مكافحتها لظاهرة التطرّف الديني محليا و افريقيا من خلال الزيارات المكثفة للعاهل المغربي محمد السادس ومن سياسة تدبير الشأن الديني بالتركيز على تكوين الائمة و الاهتمام بالمبادرات الحوارية والمراجعات التي قام بها بعض رموز تيارات العنف .
و واختتم حديثه جهود دولة الإمارات العربية المتحدة في محاربة الإرهاب و مكافحتها للتطرف العنيف من خلال إطلاق مبادرات دولية و في طليعتها مبادرة ( صواب ) و ( مركز هداية ).
و شدد بارنيو على الدور المنتظر لدولة الإمارات العربية في اطلاقها لمبادرة دولية لتجريم الإرهاب الدولي و تحسيس الرأي العام لضرورة وضع تشريعات و معاهدات دولية ملزمة تعمل على وضع عقوبات ثقيلة على الذين يستغلون فضاء الحريات لتمرير خطاب العنف و الكراهية .
بعد ذلك تحدث الدكتور محمد بشاري أمين المؤتمر الإسلامي الأوروبي حول إشكالية تعريف الإرهاب بين الأعراف الدولية وممارسة الشعوب، وذكر أن الإرهاب لا دين له وأن القوميات العرقية والطوائف الدينية ضحايا له، وأن الدول العربية وفي طليعتها المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية ودولة الكويت ودولة الإمارات وجمهورية مصر العربية هي ضحايا الجماعات الإرهابية وهم أساس التحالف الدولي ضد الإرهاب ، ودعا إلى التنسيق بين مراكز الدراسات الغربية والعربية حول قضايا التطرف العنيف، وإلى خلق فضاء تعاون بين قوى الخير بإحياء حلف الفضول بين كل المكونات الثقافية والدينية، وإلى تصحيح صورة الآخر في الكتب والمناهج الدراسية لمكافحة تيارات الكراهية والعنصرية، ووضع برامج وآليات لتجفيف منابع الإرهاب فكرياً ومالياً.
ونبه البشاري لخطورة الفضاء الرقمي المستغل من طرف القتاليين و المتطرفين لتجييش خيرة الشباب حيث أن أغلب الذي التحقوا بتنظيم ( داعش ) في سوريا والعراق هم من أوروبا و روسيا بنسبة ( ٨٥٪ من حوالي  ١٨٠٠٠ مقاتل ) عبر الانترنت .
وطالب البشاري في نهاية كلمته المسؤولين الأوروبيين الاستفادة من تجارب الدول العربية خصوصا المشاركة بالمؤتمر في مكافحتها للتطرف و الاعتماد عليها أو على بعضها في تنفيذ البرامج الوطنية لمحاربة الارهاب و التطرّف .
وركزت ورقة الدكتور عبد الله صالح العبيد الوزير الأسبق للتعليم في المملكة العربية السعودية على عرض تجارب المملكة في مكافحة الإرهاب، وذكر أن من دوافعه في عرض هذه التجارب بيان أن الإرهاب لا يميز بين المسلم وغير المسلم والمقدس وغير المقدس، وأن الاستهانة بالتطرف الديني أمر خطير؛ لأنه هو بوابة الخروج عن جماعة المسلمين شعوراً وفكراً وسلوكاً، وأن المملكة تمثل المرجعية الإسلامية بحكم مسؤوليتها عن الحرمين الشريفين في مكة والمدينة ومكانتها الجغرافية والاقتصادية والسياسية، وأن استهداف المملكة من قبل المتطرفين والإرهابيين هو من أجل إشغالها بنفسها وعزلها عن التأثير في مكافحة الإرهاب على المستوى الإقليمي والدولي وذكر أن المملكة انطلقت في موقفها من محاربة التطرف والإرهاب من مسؤوليتها في :حماية نفسها وشعبها والدين الإسلامي الحنيف من التطرف والإرهاب والانتساب لهما، والإسهام في تحقيق السلم الاجتماعي بين المكونات الاجتماعية في الداخل والخارج، والتعاون مع المجتمع الدولي في مواجهة التطرف والإرهاب، وذلك على خمسة مجالات: في المجال الدولي من خلال تعزيز الاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق الدولية والإقليمية المتعلقة بالإرهاب، وعقد الاتفاقيات الثنائية، والتحالفات العسكرية، ونشر الوعي المحلي والدولي حول أخطار وأضرار الإرهاب، وفي مجال المبادرات والجهود في الشأن الداخلي وسن الأنظمة والقوانين، وفي مجال الاحتياطات الخاصة بحماية المنشآت الحيوية والحشود البشرية، وتتبع بؤر وخلايا الإرهاب والمواجهة المسلحة، وأخيراً في مجال المعالجات الفكرية والاجتماعية عبر عدد من البرامج والأنشطة التي أنشئت لهذا الغرض.
من جهته ناشد الدكتور مقصود كروز المدير التنفيذي لمركز هداية في دولة الإمارات العربية المتحدة في ورقته الحضور إلى ضرورة المضي في حشد الطاقات الدولية والعمل على تطوير مبادرات وبرامج تكاملية مشتركة من شأنها تفعيل الآليات الدولية لمكافحة التطرف، وأشار إلى مجموعة من البرامج التي تم تطويرها من خلال مركز هداية ودعا الحضور إلى مراجعة الموقع الخاص بمركز هداية ومتابعة الإصدارات التي من شانها تشكيل مرجع فكري وعملي لتطوير السبل الكفيلة لمواجهة التطرف.
ويهدف مركز هداية الذي أنشئ في عام (2012) بالتعاون مع بريطانيا إلى مكافحة التطرف العنيف، كما يقدم المركز الدعم للحكومات في تطبيق خطط عمل محلية، وتطوير مجموعة من البرامج وفق إطار زمني لمنع التطرف العنيف، وحفظ الأمن المجتمعي، ومعالجة التهويل العالمي المتمثل في عودة المقاتلين الإرهابيين الأجانب، ونبذ الراديكالية في السجون، ودعم ضحايا الإرهاب، ودور التعليم والأسرة والثقافة ونشر الوسطية الدينية.
أما مداخلة ممثل دولة الكويت سعادة وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المساعد للتنسيق والعلاقات الخارجية والحج الأستاذ خليف مثيب الأذينة فقد أكد فيها على أهمية المشاركة في مثل هذه الندوات لاسيما أن ديننا الإسلامي دين وسطي ويرفض التطرف بكافة أشكاله حيث يقول تعالى في محكم كتابه: "وكذلك جعلنكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على النّاس ويكون الرّسول عليكم شهيداً"، كما تؤكد وزارة الأوقاف على أهمية الوسطية والاعتدال و ترفع شعار تعزيز الوسطية والاعتدال الذي أصبح شعارا تعرف به دولة الكويت في المحافل الدولية، وهو يأتي من المفاهيم الرئيسة التي يدعو إليها الدين الإسلامي الحنيف.
كما عرض في ورقته إسهامات وزارة الأوقاف الكويتية في مكافحة التطرف وتحصين الشباب الكويتي من تيارات الغلو حتى اصبحت هذه الوزارة رائدة في مجال التكوين على مفاهيم الوسطية والاعتدال ومصدر إشعاع في التوعية والتوجيه.
بعد ذلك تحدث الدكتور إبراهيم نجم مستشار مفتي جمهورية مصر العربية عن ظاهرة التطرف العنيف وأشار إلى أنها ظاهرة قديمة لكنها عادت بشكل شرس مع بداية القرن الحادي والعشرين، وذكر إسهامات دار الإفتاء المصرية لمحاربة التطرف العنيف على شبكة الإنترنت على المستويين المحلي والعالمي، وتشمل هذه الإسهامات: الموقع الإلكتروني لدار الإفتاء باللغة الإنجليزية، وصفحة دار الإفتاء المصرية باللغة الإنجليزية على مواقع التواصل الاجتماعي، وصفحة ( داعش ) تحت المجهر باللغتين العربية والإنجليزية، وصفحة ليس باسم المسلمين، وصفحة مسلمي ومسيحيي مصر متحدون ضد الإرهاب على الفيس بوك، وذكر أن ( مصر ) تسعى للتعاون مع الجميع في مكافحة الإرهاب، والتوعية بخطورة الغلو والتطرف والاستفادة من الوسائل التكنولوجية الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي كلغة لتفكيك الفكر المتطرف وإيصال رسالة الدين السمحة إلى أكبر قدر ممكن من الناس.
وفي الختام تحدث الأستاذ محمد أوزغان مدير الحريات العامة في وزارة الداخلية في المملكة المغرب حيث أشار إلى انخراط المملكة المغربية في الجهود الدولية والإقليمية وتكثيف تعاونها الأمني مع مختلف الشركاء، وتحدث عن الجهود الأمنية المغربية التي تمكنت من تفكيك عدد من الخلايا الإرهابية وإحباط العديد من المخططات التي كانت تستهدف المملكة المغربية.
كما تقوم المملكة المغربية بدور مهم في تأطير وتدريب الأئمة وخصوصاً بإفريقيا حيث أنشأت معهد الملك محمد السادس لتدريب الأئمة، كما تتعاون في ذلك مع المؤسسات الإسلامية في أوروبا لتأطير الشأن الديني في هذه البلدان، وتطرق في كلمته كذلك عن مبادرة (الشباب) الموقع الإلكتروني الذي أطلقته الرابطة المحمدية للعلماء في الشهر الماضي كمبادرة وفضاء للرد على الأفكار المؤسِسة لثقافة العنف والقتال.
توصيات الندوة
أوصت الندوة الدولية لمكافحة التطرّف العنيف عبر الإنترنت في ختام أعمالها إصدار بيان مشترك وعقد لقاء رفيع المستوى مع خارجية الاتحاد الاوروبي.
وبعد المداولات والنقاشات خرجت الندوة إلى أهمية التوقيت لهذه الفعالية، خاصة بقدر المشاركات الدولية فيها ، وعرض التجارب لكل دولة والاستفادة منها في التبادل المعرفي خاصة من الجهات المنظمة والجهات المشاركة وتبيّن التالي:
أولاً: في زمن تكاثر العمليات الإرهابية وتفشي ظاهرة الكراهية والعداء للآخر بحجة البحث عن الأمن المجتمعي ليتأصل خطاب العنصرية وخصوصاً الإسلام فوبيا والغرب فوبيا لدى بعض الأحزاب السياسية و الجماعات الدينية.
ثانياً: إحساساً من القادة الأوربيين على المستوى التنفيذي (المفوضية الأوربية ) أو على المستوى التشريعي والتمثيلي للشعوب (البرلمان الأوروبي) أو على مستوى التمثيلية للوجود الإسلامي في أوروبا (المؤتمر الإسلامي الأوروبي) بضرورة التنسيق بين المؤسسات التنفيذية والتشريعية والتمثيلية للشعوب الأوروبية بأقلياتها الإسلامية والشعوب العربية لتبادل الخبرات والتجارب .
ثالثاً: إن مشاركة الدول العربية الخمس: المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية ودولة الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية التي بيّنت وأكّدت في أوراقها ومداخلة ممثليها عن الجهد المبذول من أجل محاربة التطرف العنيف وتحصين الشباب المسلم من تيارات العنف والقتال، والحاجة إلى التواصل مع المؤسسات الأوروبية المعنية بالموضوع تحقيقاً للأمن المجتمعي وحماية لها من الاختراقات، وتصدير العمليات الإرهابية من طرف الجماعات الإجرامية.
من هنا خلصت الندوة إلى:
أولاً: إن المفوضية الأوروبية والاتحاد الأوروبي يحيي ويقدّر جهود الدول العربية وخصوصاً الدول المشاركة: المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية ودولة الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية في مكافحة التطرف.
ثانياً: أهمية التعاون والتنسيق بين المجموعات الأوروبية والمجموعات العربية ودور المؤتمر الإسلامي الأوروبي في مكافحة التطرف وتحصين الشباب.
ثالثاً: التأكيد على دور المثقفين والأكاديميين ومؤسسات المجتمع المدني في تصحيح الصورة النمطية الذهنية عن الإسلام والدول الإسلامية وخصوصاً الخليجية منها، وبراءة الأديان السماوية من هذا.
رابعاً: تشكيل فريق للمتابعة وإطلاق المبادرات التي من شأنها تجريم الإرهاب الإلكتروني والدول الحاضنة له.
خامسا : تنظيم لقاءات دورية مشتركة من أجل إيجاد سبل معالجة ظاهرة التطرّف والكراهية من أجل تحقيق الأمن الاجتماعي .
سادساً : تقديم ملتمس من طرف الفريق المشترك إلى المؤتمر الدولي حول تجريم الإرهاب الالكتروني المزمع عقده بأبوظبي .

آزال بروكسل د.م.ب