من بين الأنشطة الثقافية المتزاحمة في مدينة تولوز الفرنسية، والممتدة على مدى العام، هنالك تواجد لفلسطين من خلال مهرجان سينما مازال في سنواته الأولى، لكنه، رغم ذلك، استطاع أن يكون واحداً من التظاهرات المنتظرة في المدينة واستطاع خلال ثلاث سنوات أن يأسّس جمهوراً يتوافد إلى عروض الأفلام في أهم صالات السينما في المدينة. لمهرجان «سينما فلسطين - سينيبالستين» الممتد من العشرين من هذا الشهر إلى الأول من مارس، صعوبات وآمال وإنجازات، عنها وعن غيرها تحدّثنا مع سمير عرابي، أحد المؤسسين والمنظمين للمهرجان.

أود بداية، قبل الحديث عن سينما فلسطين بنسخته الثالثة، لو تُعرّفنا على تاريخ المهرجان؟

في عام 2012 وقبل البدء بسينما فلسطين، قمنا بتنظيم مهرجان لتكريم الشاعر محمود درويش، فاجأنا نجاح المهرجان، وكانت المفاجأة في اكتشاف جمهور واسع مهتم بالثقافة الفلسطينية، فقررنا أن نغامر في عام 2014، وننظم مهرجاناً للسينما الفلسطينية، بحيث تكون الأفلام فلسطينية، وليست حصراً أفلاماً عن القضية الفلسطينية، وهو الموضوع المتواجد في السينما العالمية، وكان السؤال بالنسبة لنا هو هل نستطيع تنظيم مهرجان هنا في تولوز، للسينما الفلسطينية إخراجاً وتمثيلاً…

كان الموضوع بالنسبة لنا بمثابة المغامرة حرفياً، لأن ما نعرفه هو أن هناك جمهوراً معتاد على حضور فيلم فلسطيني من وقت لآخر، أما أن يكون هناك جمهوراً قادراً على الالتزام بمهرجان ممتد لأسبوع أو لعشرة أيام في تولوز، فذلك ما كنا نأمله دون أن نكون متأكدين من وجوده. لكن المغامرة نجحت وكانت النتائج إيجابية جداً، ولاحظنا طلباً من الجمهور بالاستمرار، وهذا ما دفعنا بالموسم الثاني 2015، إلى التعاون مع مؤسسات فلسطينية معروفة كدار الكلمة في بيت لحم، ومخرجين معروفين، وهيئات تضم شباناً سينمائيين. وبدأنا بعرض أفلام غير معروضة سابقاً في تولوز أو حتى في فرنسا. وصولًا إلى النسخة الثالثة المقامة حالياً في 2017.

قلتَ إن الجمهور كان يرغب بأن تتكرر التجربة بعد الموسم الأول، عن أي جمهور بالضبط نتحدث هنا؟

لسينما فلسطين نوعان من الجمهور إن صح التعبير، الجمهور المهتم بالقضية الفلسطينية وبالثقافة الفلسطينية بالعموم، وجمهور السينما الذي لديه علاقة مع هذا الفن، ويرغب بالتعرف على فن السينما في فلسطين. ولأن السينما الفلسطينية سينما ناجحة فنياً إلى حد كبير، باتت تجتذب أكثر المهتمين بهذا النوع من الفن، بعد التعرف عليه، خصوصاً أننا أثناء التحضير للمهرجان نبحث عن الأفلام السينمائية جيدة الصنع، ولا نكتفي بأن تكون الأفلام "نضالية" إن صح التعبير، فنحن نسعى لخدمة الفنان الفلسطيني وتصديره، ولا نريد أن نغرق في الكليشيه. الهدف دائماً بالنسبة لنا هو أن يكون الفيلم جيداً من الناحية الفنية وأن نقدم الأفلام الفلسطينية والفنانين الفلسطينيين المتميزين.

ما هي العقبات التي تواجهونها في تنظيم المهرجان عادة؟

بداية، تعاني سينما فلسطين من عقبات مادية، في النسخة الأولى دعمتنا بلدية تولوز، لكنها نسيتنا في الموسم الثاني فاكن الموضع صعباً من الناحية المادية، لكننا استطعنا تجاوزه، كل من يعمل في المهرجان يعمل متطوعاً ولا يحصل على أي أجر، نحن ثمانية أشخاص، وفي أيام المهرجان نكون خمسة عشر. ومن ناحية أخرى ما يذلل العقبات المادية أحياناً هو التعاون مع صالات السينما المعروفة في تولوز، ففي النسخة الحالية، تتشارك سينما فلسطين مع العديد من صالات السينما في المدينة، وبعض العروض يقدم في مكتبة السينما والمتميزة فرنسياً، "سينماتيك تولوز". 

من ناحية أخرى تعاني السينما الفلسطينية من مشاكل في التوزيع، السينما الفلسطينية غير موزعة بشكل كاف، فيصبح تأمين بعض الأفلام أمراً عسيراً، فالمعتاد أن تتصل بالموزع للحصول على نسخة من الفيلم، لكن أحياناً يكون الفيلم غير موزَّع في فرنسا، فنضطر لإجراء سلسلة من الاتصالات، مستغلين علاقاتنا الشخصية مع العاملين في السينما الفلسطينية، بالإضافة إلى أن الأفلام غير الموزعة يكون الحصول عليها مكلفاً جداً، وهذه المسائل تطورت لدينا كمنظّمين منذ النسخة الأولى حتى اليوم.

صعوبة أخرى تتعلق بظروف تواجد المخرجين بفلسطين، فنحن كنا نرغب بدعوة مخرجين مقيمين في غزة على سبيل المثال لكن لا سبيل لإخراجهم من هناك، بسبب الحصار المفروض على القطاع، وليس فقط الغزيين، إنما العديد من المخرجين الفلسطينيين لا نستطيع دعوتهم بسبب جوازات سفرهم وما إلى هنالك من تعقيدات تتعلق بالسفر.

على أي أساس يتم اختيار الأفلام المشاركة في المهرجان؟

ينقسم البرنامج إلى ثلاث تظاهرات، دون أن نسميها كذلك، لكن هذا ما نأخذه بعين الاعتبار: "نظرة إلى الماضي" أي إيجاد أفلام قديمة أو تتحدث عن فترة قديمة من القضية الفلسطينية، "نظرة إلى الحاضر" أي أفلام معاصرة تعرض الآن في فلسطين والعالم، "الجيل الجديد" ونعرض ضمن هذه التظاهرة تجارب سينمائية يصنعها شبان فلسطينيون، بمعنى آخر: أفلام الشباب. ومن الجدير بالذكر، أن سينما فلسطين في موسمها الحالي تعرض أفلاماً تعرض للمرة الأولى في تولوز، وأفلاماً ستعرض للمرة الأولى في فرنسا.

ومن ناحية أخرى وفي الموسم الثاني، 2016، وبالتعاون مع مكتبة السينما، "سينماتيك"، قمنا بدعوة وتكريم المخرج الفلسطيني ميشيل خليفي، وفي الموسم الحالي دعونا قبل أيام للتكريم الممثلة الفلسطينية هيام عباس.

ما جديد النسخة الثالثة 2017، وما المختلف عن النسختين الماضيتين؟

بداية، بات برنامج "سينما فلسطين" يشتمل على عروض في بعض البلدات خارج تولوز مع نهاية المهرجان، فبالتالي توسَّع المهرجان، مع توسع رقعته الجغرافية. كما أن هناك أفلاماً ستُعرض للمرة الأولى في تولوز مثل فيلم "أمور شخصية" لمها حاج، وأفلاماً ستُعرض للمرة الأولى في فرنسا مثل "بر بحر" لميسلون حمود. كما نجحنا في أن ندعو المخرج باهر إغبارية للحديث عن السينما الفلسطينية. ومن ناحية أخرى فقد تمكنا من التعاون على مستوى أكبر مع عدد من صالات السينما وأماكن العرض في تولوز.

في هذا الموسم يحتوي البرنامج على 24 فيلماً، 8 أفلام روائية، 3 أفلام أنيميشن، 10 أفلام قصيرة، 3 أفلام وثائقية. وبالرغم من الظروف المادية والصعوبات الأخرى، استطعنا الوصول لبرنامج غني حسب ما نراه ويراه الجمهور.