البيان الذي أعلنه مارك زوكربيرغ، المؤسس والرئيس التنفيذي لموقع «فيس بوك» للتواصل الاجتماعي، الأسبوع الماضي، يحمل نذير شؤم لصناعة الصحافة، وهي الضحية الأكبر منذ ظهور «فيس بوك» عام 2004. بيان زوكربيرغ استخدم لغة مبهمة، لكنه أشار بوضوح إلى أن «فيس بوك» يريد تطوير البنية التحتية الاجتماعية للمجتمعات.

«فيس بوك المستقبل»، حسبما جاء في البيان، يهدف إلى حمايتنا وإطلاعنا، وتحقيق التفاعل المدني وضمان مشاركة الجميع. ثم في مقطع آخر يقول، وهذه المرة بشكل مباشر: «نهدف إلى صناعة أخبار قوية مهمة جداً لبناء مجتمع مطّلع، هناك الكثير لنفعله لدعم صناعة الأخبار والنماذج التي تعتمد عليها».

«فيس بوك» يريد من المشتركين المساهمة في تطوير المحتوى الإخباري، سواء كان مكتوباً أو حتى حياً عن طريق «فيس بوك لايف»، ويريد أيضاً من المشتركين إعادة ضبط الإعدادات ليعيد الموقع ترتيب الأخبار حسب الأهمية بالنسبة لكل منطقة في العالم. بكلمات أخرى «فيس بوك» يبني غرفة أخبار عالمية يديرها محررون روبوتات من جهة، وقرّاؤهم من جهة أخرى.

معظم المؤسسات الإخبارية في العالم تعرّف نفسها بكلمة مجتمع إعلامي أو أسرة من الإعلاميين تكرّس نفسها لخدمة القراء بإطلاعهم على آخر المستجدات المهمة في حياتهم اليومية. الشيء الظريف أن وصف زوكربيرغ لـ«فيس بوك» هو بالضبط تعريف أي مؤسسة إعلامية لدورها.

النموذج الذي يريد زوكربيرغ بناءه هو مؤسسة إخبارية بلا صحافيين مدفوعي الأجر، والحقيقة المرّة بالنسبة لنا، نحن أصحاب المهنة، أن «فيس بوك» يتفوق علينا بسنوات ضوئية في ما يتعلق ببناء مجتمع في العصر الرقمي. «فيس بوك» لديه كل الإمكانات من التقنية إلى القدرة على جني الأرباح، وهو المهيمن بامتياز على سوق الإعلانات الرقمية.

في الربع الأخير من العام الماضي جنى «فيس بوك» أكثر من ثمانية مليارات دولار، سبعة منها جاءت من مبيعات الإعلانات عبر منصة تطبيق الهاتف الذكي. ولو وضعنا في الاعتبار أن 85% من كل عائدات الإعلانات عبر الإنترنت من نصيب إما «فيس بوك» أو «غوغل»، فهذا معناه أن 15% فقط هي الحصة المتبقية للمؤسسات الإخبارية، أي فتات لا أكثر.

«فيس بوك» لديه تقريباً مليارا مستخدم نشط، ولا نريد المقارنة مع عدد قراء الصحف، لكن من أجل السياق فإن أكبر سوق لقراء الصحف هو في اليابان (صحيفة يوميوري شيمبون وحدها توزع تسعة ملايين نسخة يومياً). في الولايات المتحدة معدل مجموع المشاهدين في وقت الذروة لثلاث قنوات، هي «سي إن إن» و«فوكس نيوز» و«إم إس إن بي سي»، كان 3.1 ملايين مشاهد عام 2015. «نيويورك تايمز» باعت 1.6 مليون اشتراك إلكتروني في الخريف الماضي، ما يعني أن ملياري الـ«فيس بوك» تبرّرهما مجانية خدمات الموقع!

السؤال هو: هل على زوكربيرغ سد الفجوة في الإعلام التقليدي كما وعد؟ كلا، ليس عليه ذلك، لأن «فيس بوك» لديه مشكلاته الخاصة المعقدة جداً، وسعته التشغيلية تتخطى سعة أي صحيفة بصورة لا يمكن تخيلها.

مسك الختام: زوكربيرغ يحفر قبر الصحافة، ربما هو لا يريد قتلها، لكن ذلك لا يعني أنه لن يفعل لو طبّق محتوى ذلك البيان. هذه مشكلة نموذج الصحافة التقليدية المعطل وليست مشكلة زوكربيرغ، لكنها أيضاً مشكلة أي شخص يؤمن ويعتمد في استقاء معلوماته على الصحافة ذات الجودة العالية.

البيان