بدأنا نتبع جدول الحصص الأسبوعي في الصف الرابع الابتدائي، وقد عرفنا مادة الاجتماعيات بشقيها: التاريخ والجغرافيا. كان كتاب الجغرافيا في سنتنا الرابعة بعنوان "وطني الصغير، المملكة الأردنية الهاشمية" بشقيها: الضفة الغربية والضفة الشرقية، وبعاصمتيها: السياسية عمّان والروحية القدس. كتاب التاريخ كان عن الخلفاء الراشدين والدولة الأموية.
في الصف الخامس، كان كتاب الجغرافيا عن أقطار الوطن العربي في آسيا، والتاريخ عن الدولة العباسية. أما في الصف السادس الابتدائي، فقد كان التاريخ عن الدولة العثمانية، والجغرافيا عن أقطار الوطن العربي في أفريقيا.
درسنا عن السودان بأقاليمها ومساحتها وحدودها، والنيلين الأزرق والأبيض، والخرطوم وأم درمان و"العاصمة المثلثة" وعطبرة وكردفان ودافور وسواكن وبور سودان وكسلا والفاشر، وطبيعة أراضيها الخصبة "سلة الغذاء"، وزراعة "الدُخْن"، والصمغ العربي، حيث تستأثر هذه الدولة العربية بنحو 85% من الإنتاج العالمي لهذه المادة التي تدخل في كثير من الصناعات الغذائية والدوائية.
زرت السودان في عام 2004 لتنظيم مؤتمر صحافي للإعلان عن إطلاق خدمة جديدة لطيران الإمارات بين دبي والخرطوم. وتعيّن عليّ، وزملائي، أن نسافر على رحلة طيران الإمارات من دبي إلى نيروبي، عاصمة كينيا، وركوب طائرة الخطوط الكينية إلى الخرطوم. وقد استغرق الأمر يوماً كاملاً وتطلّبَ انتظار (ترانزيت) نحو 5 ساعات في مطار نيروبي.
مكثنا في الصالة الخاصة لأن تذاكرنا من فئة الأعمال. كانت الصالة عبارة عن حجرة متواضعة للغاية، فيها بعض المقاعد، وتقدم الشاي والقهوة والماء والمشروبات الغازية وبعض المأكولات الخفيفة.
طالت مدة الانتظار، راجعت ملف المواد الإعلامية الذي سأوزعه على الصحافيين عدة مرات، وانتهيتُ من مطالعة الصحف التي جلبتها معي، وتصفحتُ كتاباً، فلم يكن هناك هواتف ذكية ولا "سوشال ميديا". ثم بدأت أراقب حركة المسافرين من خلال الحاجز الزجاجي الذي يفصل الصالة عن الممر. حركة الناس كالمياه المتدفقة في الاتجاهين، لكنني لاحظت سيدةً تبدو سودانية الملامح، تحمل بين ذراعيها رضيعاً، وتتعلق بطرف ثوبها فتاةٌ لا تتجاوز الثالثة من عمرها. كانت تلك السيدة تذرع الممر جيئةً وذهاباً، وتغيب قليلاً ربما لتحضير رضعة للطفل، ثم تداري الصغيرة. كان الإرهاق بادياً عليها. ولما طال انتظارنا وخفّت الحركة في الممر، أصبحتُ على يقين من أن هذه السيدة سوف تلتحق برحلتنا إلى الخرطوم.
أزف موعد الصعود إلى الطائرة، وشاءت الصدفة أن تجلس هذه السيدة بجانبي. كان مقعدي على النافذة، في حين احتلت هي وابنتها المقعدين الآخرين في الصف. ساعدتها في رفع أغراضها إلى الخزائن العلوية، وأقلعت الطائرة.
بدأ طاقم الطائرة في تقديم الوجبات. أنهيت طعامي بسرعة بعد أن لاحظت أن السيدة بجواري لا تستطيع حراكاً، فهي تحمل الرضيع، وتهتم بالصغيرة التي إلى جوارها. فعرضت عليها أن أحمل الرضيع. تردّدتْ وشعرتْ بالإحراج، لكنني ألححتُ عليها، فسلمتني الرضيع، وبدأت تأكل، وتطعم الصغيرة.
علمتُ بعد أن دار حديث بيننا أنها آتية من كندا، حيث تقيم هناك مع زوجها، وأنها توقفت في أمستردام 12 ساعة، والتحقت برحلة الخطوط الكينية إلى نيروبي، وهي الآن في طريقها إلى الخرطوم لزيارة الأهل الذين سيرونها وطفليها للمرة الأولى بعد زواجها وسفرها إلى كندا. وذلك يعني أنها مسافرة لم تذق طعم الراحة منذ نحو يومين!
هبطت الطائرة في مطار الخرطوم، فساعدتُ السيدة في حمل أغراضها والإمساك بالصغيرة، إلى أن بلغنا مكاتب الجوازات، فودعتها وشكرتني، وافترقنا، هي إلى مكتب جوازات السودانيين، وأنا إلى المكتب الآخر.
كان برفقتي بعض الزملاء المشاركين في التحضيرات للمؤتمر الصحافي، وكان مدير طيران الإمارات المعيّن في الخرطوم في انتظارنا، فأنهينا الإجراءات، وتقدمنا للخروج من مبنى المطار، فرأيت أمامي حشداً من رجال ونساء وأطفال يسيرون باتجاهي. ولم أتيقّن من أنهم يتقدمون نحوي إلا بعد ان لمحتُ معهم السيدة التي كانت بجانبي على الطائرة، وقد أشارت إليّ. كان السرور بادياً على وجوه الجميع باستقبال ابنتهم، وقد يمموا نحوي بعد أن أخبرَتْهم أنني ساعدتها على الطائرة وفي المطار.
رحّب بي وصافحني بحرارة أكثر من 10 رجال، وخلفهم نساء وأطفال، وأصروا على استضافتي وسط كلمات الشكر والتقدير التي أحرجتني. وبدأوا بالتحرك نحو مخرج المبنى وأنا معهم وسط دهشة مرافقيّ الأجانب، الذين لم يعلموا أن لي "أهل" في السودان!
اعتذرت منهم بلطف، وشكرتهم على حفاوة استقبالي، وأكدتُ لهم أن ما قمت به تصرف طبيعي من أي إنسان، لكنهم كانوا يزيدون مديحاً لي وإصراراً على استضافتي، ولم أستطع الإفلات إلا بعد تدخل زملائي الذين كانوا في انتظاري، حيث شرحتُ لهم أننا في مهمة، ولدينا اجتماع فوري وعملٌ في الغد. طلبوا مني مكان الإقامة، فأخبرتهم باسم الفندق الذي سننزل فيه.
في اليوم التالي، بدأنا التحضير مبكراً للمؤتمر الصحافي، فكل فرد في المجموعة يتولى مهمةً معينة، وعندما أزف الموعد، بدأ الصحافيون المدعوون في التوافد على مكان الاجتماع. وعلى الرغم من أنني أراهم للمرة الأولى، إلا انني كنت أحس مع استقبال كل صحافي وكأنه يعرفني منذ سنوات أو أنني أحد أفراد عائلته.
اختتم المؤتمر الصحافي، وسلّمتُ الحضور ملف المعلومات، وبدأت ترتيب لقاءات منفردة لمسؤول طيران الإمارات، والتنقل بين الصحافيين ونحن نتناول الشاي والقهوة والمأكولات الخفيفة. وعندما انفض الجمع، تقدم مني رجل عرفني بنفسه قائلاً: "انا شقيق السيدة التي سافرت برفقتك بالأمس، وقد كنت في الاستقبال في المطار وسلّمتُ عليك". رحبتُ به، وقلت له: "لا تؤاخذني، لم ألحظ، ظننتك صحافياً"! أجابني: "لا عليك! أنا هنا في خدمتك، قل لي ماذا تريد". قلت: "أريد سلامتك. لا شيء". قال: "لا بد! ندرك أن لديك عملاً، وأنك مرتبط مع زملائك، لذلك لم نضيّق عليك بالأمس. لكننا نريد رد الجميل الذي فعلته مع شقيقتي".
بعد حوار طويل وإحراج كبير، قلت له: "أنا أزور الخرطوم لأول مرة. أريد فقط القيام بجولة للتعرف على معالم المدينة". قال الرجل: "أبشر! نتحرك الآن؟". قلت: "أنا مرتبط مع جماعتي، وسأكون جاهزاً بعد العصر". فاتفقنا على موعد اللقاء وافترقنا.
نزلت من غرفتي في الوقت المحدد، فوجدتُ الرجل في انتظاري في بهو الفندق ومعه شاب آخر.
ركبنا سيارة المرسيدس، وانطلقت بنا، عبرنا جسراً، وكان الرجل يشرح لي عما نمر به. أراني التقاء النيلين الأبيض والأزرق، وكان هناك على الضفتين آثار فيضان كنت قد سمعت عنه سابقاً في الأخبار. مررنا بجوار القصر الجمهوري وسجن كوبر ومعالم كثيرة لم أعد أذكر تفاصيلها، إلى أن وصلنا إلى سوق شعبي. محلات متواضعة ونساء ورجال يجلسون خلف بسطات عليها منتجات مختلفة.
توقفتُ عند سيدة عجوز، كانت تعرض بعض المشغولات اليدوية التقليدية. لفت نظري وعاء صنع القهوة السودانية المسمى "جَبَنَة"، وكنت قد تناولت "القهوة الجبنة" الليلة الفائتة في الفندق. القهوة السودانية ثقيلة حادة الطعم، لكنها، كما يقولون "تعدل الرأس"، خصوصاً لعشاق "المحبوبة السمراء".
الجَبَنَة وعاء فخاري، أو معدني، أشبه بقارورة مستديرة القاع، كأنها حبة برتقال كبيرة، وله عنق طويل ملتصق بقاعه مقبض صغير. وترتكز الجبنة على قاعدة قماشية تسمى "الوقاية"، ولها مصفاة من جريد النخيل توضع على الفوهة لتصفية القهوة تسمى "الليفة". وقد تشرب القهوة في فناجين فخارية أو بورسلان عادية.
يبدو أن "الجَبَنَة" التي كانت تعرضها الجدّة السودانية هي للزينة فقط، فقد كانت مغلفة بنسيج جميل من الخرز الملون، وكذلك "الوقاية".
قرفصتُ في مواجهة الجدة وتفحصت الجَبَنَة، وسألتها عن السعر فطلبت رقماً. أراد أحد مرافقيّ أن يجادل عني لتخفيض السعر، فأوقفته، وأخرجت النقود. هنا سألتني الجدة وهي تمد يدها لتناول النقود: من أين أنت يا بني؟ قلت لها أنا فلسطين. توقفت اليد الممدودة!
بدأت تدعو لفلسطين ولأهل فلسطين، ثم بكت وتناولت رأسي وقبلتني، وأبت أن تأخذ النقود، على الرغم من أن حالتها تشي بالحاجة. فأصررتُ على دفع الثمن، بل أنني زدتُ المبلغ أيضاً، وغادرتُ وهي تدعو لي.
عدنا إلى السيارة، فأصر الشابان المرافقان على أن أذهب معهما إلى البيت. قال أحدهما: "أبي قال لي لا ترجع إلا وهو معك". ولم يستسلما لي إلا بعد أن أخبرتهما بأن موعد التوجه إلى المطار قد حان، وأن عليّ العودة إلى الفندق لعمل إجراءات المغادرة.
رحلة العمل القصيرة إلى السودان أكملت الصورة. فقد كنت تعرفت أثناء عملي في دبي على العديد من الأخوة السودانيين الرائعين، عمر ومحجوب وتاج وبهاء وصلاح وعلي، من أجمل الناس وأحسنهم خُلقاً، وأغزرهم علماً وثقافةً ومهنيةً.
لقد علمونا في المدرسة عن جغرافية السودان، لكنهم لم يلامسوا البعد الإنساني، وثقافة السودانيين ووطنيتهم وطيبتهم وشهامتهم وحسن ضيافتهم.
حمى الله السودان وناسها.