في صيف إحدى سنوات النصف الأول من العقد الأخير للقرن العشرين، أي في التسعينيات، كان معظم الأخبار الاقتصادية التي تنشرها الصحف العربية الأوسع انتشاراً، يأتي من دبي.
وكان لغالبية هذه الصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية مراسلون، إما معتمدون يعملون في العلن، أو سريون يعملون بالقطعة في دولة الإمارات العربية المتحدة، يمدونها بأخبار متفرقة، عن المنطقة الحرة في جبل علي وطيران الإمارات وتوسعات مطار دبي والبنوك والحركة التجارية، وغيرها من التطورات والمشاريع التي بدأت أعدادها في النمو والتوسع السريع.
في تلك السنة، كنت أعمل في جريدة "البيان"، ولم أستطع السفر في إجازة الصيف لضيق ذات اليد، فاكتفيت بإرسال عائلتي إلى الوطن.
مع بدء موسم الإجازات الصيفية، جاءني زميلٌ يعمل مراسلاً غير متفرغ لإحدى الصحف العربية الكبرى التي تصدر في دولة أوروبية، وطلب مني أن أنوب عنه أثناء سفره، وأرسل إلى صحيفته أخباراً يومية مما تيسر، على أن ينقدني مبلغاً مالياً مقطوعاً.
وفي يوم آخر، جاءني زميل ثان يعمل لصحيفة مغتربة أخرى طالباً مني الأمر ذاته.
وقبيل ذلك، كان مسؤول كبير في صحيفة واسعة الانتشار تصدر في دولة عربية، قد زار دبي. وطلب مني عندما التقيتُه في أحد المؤتمرات أن أمد صحيفته بأخبار اقتصادية بانتظام، واعداً باعتمادي كمراسل مقابل مكافأة مالية مجزية شهرياً.
واكتمل المربع بزميل يعمل لوكالة أنباء عربية سافر في إجازة صيفية، وطلب مني أن أسد مكانه.
مكثتُ في دبي صيف ذلك العام، فقد كنت أسافر في إجازة إلى الوطن مرةً كل عامين لأسباب مختلفة. ومما ساعدني على أداء المهمة الثقيلة أنني كنت أحوز جهاز كمبيوتر أبل وجهاز فاكس وطابعة ليزر.
كنت أطبع مادة الخبر، ثم أكيّفه ليناسب توجه الصحيفة التي سأرسله لها، يساعدني الكمبيوتر في القص واللصق والتقديم والتأخير والتعديل. كما أن سفر العائلة منحني مرونة العمل ساعات طويلة ليلاً ونهاراً من دون الشعور بالتقصير والذنب.
خلال ذلك الشهر، تلقيت أيضاً اتصالات من وكالتي أنباء عالميتين، ومن غرفة الأخبار في قناة تلفزيونية محلية، للاستفسار عن أخبار متعلقة ببعض المشاريع والأحداث في دبي، وقدمتُ لهم معلومات خبرية من دون أي مقابل مادي.
"خلص الصيف"، كما تقول فيروز، وعاد "الغيّاب" إلى قواعدهم سالمين غانمين، وجلستُ في انتظار المكافآت الموعودة بعد أن أديت مهامي على الوجه الأكمل.
مراسل إحدى الصحيفتين اللتين تصدران في أوروبا، ومراسل وكالة الأنباء العربية دفعا لي ما تعهدا به. أما مراسل الصحيفة الأوروبية الأخرى، فقد أرسل لي مبلغاً تافهاً رفضتُه على الفور. ولأنه صديق مقرّب، فقد كبُر عليه رفضي واستمر طويلاً في محاولات إرضائي، على الرغم من أنني شرحت له بأن ما أغضبني ليس المال، بل تقييم جهدي وعملي على مدى أكثر من شهر بمثل ذلك المبلغ البسيط.
الصحيفة الكبرى التي تصدر في بلد عربي كانت الأكثر استفادةً من الأخبار التي كنتُ أرسلها وتنشر بمعدل يومي على مدى أكثر من شهرين، على أساس وعد باعتمادي مراسلاً بمكافأة شهرية ثابتة. لكنهم قلبوا لي ظهر المجن. وعندما اتصلت بالمسؤول الذي طلب مني العمل معهم، قال لي بالحرف الواحد: "هل أرسلتَ لنا أخباراً؟ اجمع القصاصات مع تواريخ النشر، وسوف نرى!". طبعاً لم يكن ذلك ممكناً في عصر ما قبل اللابتوب والإنترنت والإيميل والهواتف الذكية.
عودة إلى صحيفتي "البيان". فعلى الرغم من أنني كنت أرسل الأخبار إلى جهات كثيرة، إلا أنني لم أقصّر في عملي على الإطلاق. فقد كنت أقضي ساعات طوال تزيد على العشر يومياً، ما بين التغطيات الخارجية والترجمات والديسك.. وما أدراك ما العمل على ديسك الأخبار! وكنت دائم التنقل ما بين مكتبي في صالة التحرير والأقسام الفنية لمتابعة المواد وتنفيذ الصفحات. بل انني لم أتمتع بإجازة أسبوعية لأكثر من شهرين بسبب نقص أعداد العاملين في القسم الاقتصادي وسفر البعض منهم في إجازات سنوية.
نسيت أمراً مهماً! فقد عملت مع وكالة علاقات عامة بدبي في تلك الفترة، وكنتُ أعرّب لهم بعض النشرات الصحافية التي كانوا يوزعونها على الصحف المحلية والإقليمية. ولم "يأكل" مدير الوكالة الأجنبي درهماً واحداً من حقي، بالإضافة إلى "تقديره العالي" لما قدمته له من خدمات.
لقد عملتُ "وكالة أنباء" لأكثر من شهرين، وكنت أصل الليل بالنهار من دون كلل أو شكوى جسمانية، فلم أكن قد بلغتُ الأربعين بعد!