في الأيام الأولى من شهر أيلول (سبتمبر)، وبداية فصل الخريف، ومع بدء تعرّي أغصان الأشجار وتساقط أوراقها، وصلنا إلى أوسلو، وفي القلب غصةٌ مما آلت إليه "أوسلو"، التي علّق عليها الكثيرون آمالاً كباراً (لم أكن منهم حقيقةً). كان ذلك قبل سنوات سبع.
جميلة وهادئة فوق العادة، ونظيفة للغاية، وبريئة من أزمات السير المرورية! هذا ما يخرج به زائر العاصمة النرويجية أوسلو كانطباع أولي. إلا أنه سيضيف إلى انطباعاته فيما بعد أنها من أغلى مدن العالم وأكثرها ازدهاراً ورخاءً. ولم تأت هذه المكانة من فراغ، فقد أحسنت تلك المملكة الاسكندنافية الهانئة الاستفادة على النحو الأمثل من اكتشاف احتياطيات نفط وغاز وفيرة في منطقة بحر الشمال مطلع النصف الثاني من القرن العشرين.
الجو هنا لا يزال رائعاً رغم لسعة البرد الصباحية في البكور وفي ساعات الليل المتأخرة. العاصمة النرويجية تضج بالحبور والمرح، والناس المبتسمين على الدوام. يندرُ أن تجد منضدةً واحدةً أو كرسياً خالياً في أي من المقاهي والمطاعم عندما يقترب المساء. الرواد يلهون ويتحدثون وتعلو ضحكاتهم، لا أحد منهم منكبٌ على هاتفه النقال. فهذا يعانق جليسته، وهذه توشوش رفيقها في همس رقيق، وذاك يكركر طفلته الصغيرة ذات العيون التي يفوق لونها زرقة البحر، وعجوزان يراقبان الجميع، ربما بشعور الحسرة على العمر في مفهومنا، لكنهما (والعلم عند الله) يشاركان من حولهما سعادتهم وفرحهم.
الأوضاع الاقتصادية للنرويجيين فوق الجيدة، ولهم كل الضمانات والخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية مجاناً. وقد أخبرنا الدليل ان معظم سكان أوسلو يمتلكون منزلين، أحدهما في المدينة والآخر في الجبال للتنزه صيفاً والتزلج شتاءً. 
أوسلو، وتعني بالنرويجية "مرجٌ على سفح التل"، مدينة حديثة نابضة بالحياة، ذات مناخ رائع، تعانق الشواطئ وتتداخل معها لترسم شكل حذوة حصان على خليج أوسلو (أوسلو فيورد Oslo Fjord باللغة النرويجية). ثلثا المدينة حدائق عامة ومساحات خضراء، ما يجعلها مثالية لممارسة الأنشطة على اختلاف أنواعها في الهواء الطلق، مثل المشي وركوب الدراجات. وتضم المدينة مقاهٍ ومطاعم مميزة، وهي غنية ثقافياً أيضاً إذ أن فيها حوالي 50 متحفاً يعود بعضها إلى القرن التاسع عشر، منها متحف مونك الذي يضم لوحة "الصرخة Skrik" التي تعتبر ثاني أشهر لوحة على مستوى العالم بعد الموناليزا، وغيرها من الأعمال للفنان التعبيري النرويجي إدوارد مونك (يلفظ الاسم أيضاً مونش)، ومتاحف في الهواء الطلق أيضاً، بالإضافة إلى أكثر من 150 مبنى تاريخياً بما فيها كنيسة جول ستاف خشبية يعود إنشاؤها إلى القرون الوسطى.
أصبح الوجه المتألم في "الصرخة" أحد أكثر الصور الفنية شهرة، ورمزاً للقلق بشأن الحالة الإنسانية. وقد رسم مونك اللوحة بعد تجربة نفسية أوردها في مذكراته: "كنت أسير في طريق برفقة صديقين ثم قاربت الشمس على المغيب، فطغت عليّ مسحة من الكآبة، وفجأة تحول لون السماء إلى حمرةٍ دمويةٍ، فتوقفت مرهقاً، وانحنيت على سياج جانبي، ثم تأملتُ السحب الملتهبة المعلقة مثل دم وسيف فوق زرقة البحر الأزرق المائلة إلى السواد في أفق المدينة، واصل صديقاي سيرهما، لكنني توقفت هناك مرتعشاً من الخوف، ثم سمعت صرخة تردد صداها عالياً في الطبيعة".
من الطريف أن لوحة "الصرخة" تعرّضت للسرقة. ففي يوم افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في مدينة ليلهامر النرويجية في 14 فبراير (شباط) 1994، اقتحم رجلان المتحف الوطني بأوسلو وسرقا اللوحة، تاركين خلفهما ملاحظة مكتوب عليها "شكرا لسوء الأمن"! وفي شهر مايو (أيار) من العام نفسه عثرت الشرطة النرويجية بالتعاون مع الشرطة البريطانية على اللوحة سليمةً تماماً.
فندقنا اسمه The Thief Hotel أي فندق اللص! وهو مبنيٌ على جزيرة لها الاسم ذاته، متصلة مع اليابسة بجسر. ويا لها من تسميةٌ لا شك غريبة! وعلى الرصيف عند مدخل الفندق تمثال برونزي لشخص ساجد على الأرض، في مواجهة صوامع اسمنتية على ضفة الخليج المقابلة. وقد أفادنا بعض من سألناهم أن التمثال رمز لطريقة معاقبة اللصوص في الماضي، وعزا آخرون التسمية إلى أن الفندق/ اللص "يسرق قلوب ضيوفه" بفخامته وتميّزه! في حين أكد لنا مسؤول في الفندق أن التمثال يجسد صلاة المسلمين وأن متجهٌ في سجوده إلى الكعبة المشرفة! من دون أن يفسر لنا كيف ولماذا. فهل يرمز هذا التمثال، الذي أبدعه الفنان أنطوني غورملي، إلى التناقض بين القداسة والآثام؟
الفتيات في استقبال الفندق، ذي النجوم الست، جميلاتٌ شقراواتٌ طويلاتٌ، لا يقل عود أقصرهن عن 180 سنتمتراً، شعر ذهبي منسدل على الأكتاف وابتسامات عذبة مرحّبة تنم عن شعب سعيد آمن خال من الهموم، لا يعكر صفوه احتلال وحواجز ولا أزمات معيشية في الحصول على الخبز والمحروقات، ولا قلق على حياة التقاعد وتعليم ومستقبل الأولاد. فالتعليم مجاني للجميع، بمن فيهم الأجانب، حتى في أعلى المراحل الجامعية.
"اللص" من أغلى فنادق العاصمة النرويجية. عدد غرفه 119 فقط، واستضاف في عامه الأول عند افتتاحه في 2013 العديد من مشاهير العالم، فربما من أقام في غرفتي (رقم 428) كان بيل غيتس أو خوليو أغليسياس، أو المغنية ريهانا! والفندق مجاور لمتحف "أستروب فيرنلي" للفن المعاصر، وتزين جدرانه لوحات أصلية من مجموعة المتحف للفنانة النرويجية الشهيرة أندي وارول، وملكة النرويج سونيا. وهناك أعمال فنية أصلية في كل غرفة.
كان برنامجنا حافلاً في أوسلو. ففي صباح اليوم التالي، وقفنا بجوار مدخل الفندق على حافة المياه، وتسلمنا ملابس خاصة ارتديناها فوق ثيابنا ونظارات واقية. انقسمنا إلى مجموعتين، وركبنا قاربين سريعين انطلقا بنا في خليج أوسلو باتجاه بلدة "دروباك" التاريخية. قام قائدا القارب بمناورات خطفت أنفاسنا وتبللت وجوهنا برذاذ المياه المالحة. رسينا بعد نحو 45 دقيقة في البلدة ذات البيوت الخشبية الجميلة، والمرافق السياحية المختلفة، ومنها مكتب البريد، وفيه رجل يشبه بابا نويل يتلقى أكثر من 20 ألف رسالة سنوياً من أطفال في مختلف بقاع العالم، وكذلك "بيت الكريسماس"، وفيه كل ما يخطر وما لا يخطر على بال من أفكار الهدايا الخاصة بعيد الميلاد.
في اليوم الثالث، شملت جولتنا معالم شهيرة في العاصمة أوسلو، منها حديقة منحوتات ضمن "متنزه فروجنر"، وفيها أكثر من 200 منحوتة للفنان النرويجي غوستاف فيجلاند من البرونز والجرانيت والحديد الزهر، بما في ذلك تمثال الصبي الغاضب The Angry Boy. وتستقبل الحديقة أكثر من مليون زائر سنوياً. كما زرنا متحف التاريخ الطبيعي ومتحف سفن الفايكنج، ومجمع التزلج، الذي يضم متحفاً ومنزلقاً. لم يكن المنزلق مغطى بالثلج، فالجو صيف. لكن الدليل أخبرنا أن المكان يكون عامراً بالناس في الشتاء، سواءً من أهل أوسلو أم زوارها. فالنرويجيون كما قال: "يولدون وفي أقدامهم زلّاجات"!
غداؤنا كان في واحد من أشهر مطاعم أوسلو. يقع مطعم "فرونرسيترن" أعلى تلة تطل على أفق أوسلو في مشهد بانورامي رائع. طلب معظمنا مأكولات بحرية كعادتنا في الخارج تجنباً لـ"اللحوم غير الحلال". وأثناء تناول الطعام، أطل علينا الشيف وولتر كايلنغر لإلقاء التحية والترحيب بنا. إنسان دمث متواضع. علمنا أنه من أصل سويسري، ونال هناك أعلى تقدير في هذا المجال، وهو خبير في الأطعمة النرويجية والعالمية، وعمل في أكبر فنادق البلاد، ويدير مطعم "فرونرسيترن" منذ عام 2005، وله كتاب في إعداد الطعام أهدى لكل منا نسخةً موقّعةً منه.
حدثنا الشيف كايلنغر عن نشأته وتطوره المهني ومجيئه إلى النرويج، وتطرق الحديث إلى سؤاله من أي البلاد نحن؟ كنا مجموعة إعلاميين، من مختلف الدول العربية. وعندما علم أن فينا فلسطينيين، استدرك قائلاً: ها، لقد كان مفاوضو أوسلو يأتون إلى مطعمنا مساءً في سيارات سوداء، وكنا نقدم لهم الطعام أثناء اجتماعاتهم. كانت الأجواء تبدو وديةً فيما بينهم، وسُررت عندما سمعتُ عن توقيع الاتفاقيات في البيت الأبيض التي تابعها العالم بتفاؤل. لكن ما يحيرني، لماذا تسير الأوضاع هناك من سيئ إلى أسوأ؟!
أجبته: شكراً على حسن ضيافتكم، فقد استمتعنا بأطباقكم اللذيذة. هيا لنلتقط بعض الصور التذكارية.