توقفت بنا السيارة في صباح الخميس الباكر (8 حزيران 1967) أمام منزل أقارب لنا في مدينة الزرقاء، بعد رحلة معاناة ورعب من مخيم الكرامة في الأغوار، استغرقت أكثر من 7 ساعات. كنا محشورين في السيارة مثل سمك السردين في العلبة، 14 فرداً بمن فيهم السائق (والدي رحمه الله) وأخي ابن اليومين، الذي ولد على أصوات هدير الطائرات ودوي الانفجارات والمدافع المضادة للطائرات.
رحلة عجائبية قادتنا إلى حيث لم نكن نتوقع على الإطلاق!
كنتُ في الصف الرابع الابتدائي (10 سنوات ونيّف)، في السنة الدراسية 1966/ 1967. ولم نهنأ بيوم هادئ طوال تلك السنة. ففي شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1966، هاجمت قوات الكيان بلدة السموع جنوب الخليل. وقاتل الجيش الأردني ببسالة وسطّر بطولات خالدة، في مواجهة غير متكافئة مع قوة تفوقه عدداً وعدّة ومدعومة بالطائرات والدبابات. ولم تهدأ الضفة الغربية بعد تلك المعركة، التي اعتبرت مقدمةً لحرب حزيران (يونيو)، أو ما يحلو للكيان أن يسميها "حرب الأيام الستة" في إطار الحرب النفسية وتضخيم الإنجاز والتعالي على العرب.
مع اقتراب نهاية ذلك العام الدراسي، الذي شهد انقطاعات عديدة، بدأنا نسمع، ونحن في بداية تفتح وعينا على القضية، عن قرب وقوع الحرب، وأننا سوف نحرر فلسطين ونعود إلى الديار التي أخرج آباؤنا وأجدادنا منها في عام 1948 بقوة السلاح، ونعيد بناء قرانا وبلداتنا التي سوّيت بالأرض. ومع أواخر أيار (مايو)، تسارعت الأحداث.
حشود "إسرائيلية" على سوريا، مصر تستنفر نصرةً لسوريا وتغلق خليج العقبة، التهديدات تتزايد، والناس في انتظار الفرحة الكبرى بيوم التحرير والعودة.
يوم الاثنين، 5 حزيران (يونيو)، وفي الأيام الأولى للعطلة الصيفية بعد انتهاء السنة الدراسية، اندلعت الحرب. كنت في محلنا التجاري بمدينة نابلس في صبيحة ذلك اليوم، وبدأت البيانات تتوالى مع الإعلان عن إسقاط الطائرات وتكبيد العدو المعتدي خسائر فادحة. كان تجار السوق متحلقين أمام "مقهى الطقطوق" الشهير، حيث وضع جهاز الراديو وبأعلى الصوت في الخارج. ومع كل بيان جديد، كانت أصداء التصفيق وهتافات الفرح تعلو وتتردد في أنحاء المدينة، من الشوارع والمحال التجارية والبيوت.
رجعنا إلى البيت في مخيم بلاطة المجاور، وعند مرورنا بمبنى المحافظة كان الرجال من مختلف الأعمار يتجمهرون لاستلام البنادق، وقبيل الظهيرة عبرت قافلة دبابات، آتية من معسكر الجيش العربي في حوارة جنوب نابلس، متجهةً غرباً نحو "الخطوط الأمامية". وانزلقت دبابة عن كتف الطريق، فرفعها أهالي المخيم المتحمسين بأيديهم العارية وأعادوها إلى مسارها.
كانت والدتي (عافاها الله) حاملاً بأخي، ويبدو أن أخبار الحرب قد سرّعت موعد الولادة، فجاءتها آلام المخاض. الساعة الآن تقترب من الثانية بعد منتصف النهار، والكبار يتداولون فيما بينهم، وأخيراً قرّ قرارهم بما أن المعارك سوف تشتد، ونحن قريبون من حدود الوطن السليب، فلنذهب إلى منطقة آمنة بعيدة لكي تضع والدتي حملها ونعود بعد يومين أو ثلاثة إلى المخيم مؤقتاً، ومن ثم إلى قريتنا الأصلية المحررة.
ركبنا في سيارة والدي، جميع أفراد عائلتنا وعائلة عمي، وتحركنا باتجاه مخيم الكرامة في الضفة الشرقية. ولم يبق في المنزل سوى عمي (رحمه الله). عند بلوغنا منطقة الجفتلك في غور الأردن الغربي، شاهدنا النيران تشتعل في معسكر للجيش العربي تعرض لقصف طائرات معادية. عبرت بنا السيارة جسر دامية على نهر الأردن ووصلنا بعد دقائق قليلة إلى بيت خالي في مخيم الكرامة. وقد علمنا فيما بعد أن الجسر تعرض للقصف والتدمير بعد عبورنا بأقل من ساعة.
لم نكد نترجل من السيارة، إلا وقد علا هدير الطائرات وأصوات الانفجارات والمدافع المضادة للطائرات. خرجت برفقة أولاد خالي إلى الشارع الرئيس في المخيم، فشاهدنا طلائع الجيش العراقي التي وصلت إلى منطقة الغور في طريقها إلى فلسطين، لكن الطيران المعادي كان قد دمر الجسرين على نهر الأردن، وبدأ في قصف القوات العراقية.
كانت الطائرات تغيب للحظات، ثم تعود لتستأنف القصف ولم يتوقف هدير "الميراج" و"السوبر مستير" الذي كان يصم الآذان حتى خلال الليل. في صباح اليوم التالي (الثلاثاء) كنت أخرج برفقة أولاد خالي فأشاهد الناس وهم يقدمون للجنود العراقيين الماء وما تيسّر من الطعام، وعندما تأتي الطائرات، تنفضّ الحشود من حول مركبات الجيش العراقي.
في حوالي الساعة العاشرة صباحاً، وضعت والدتي حملها بعد أن عانت مخاضاً مؤلماً طوال الليلة الفائتة، ناهيك عن رهبة دوي القذائف والانفجارات وهدير الطائرات. زادت أعداد الطائرات المغيرة وحدّة القصف يوم الثلاثاء وتواصلت في اليوم التالي، وأصبح الجنود العراقيون يحتمون بمنازل المخيم. ومنذ صبيحة الأربعاء، بدأ الناس يخرجون من بيوتهم ويتدفقون خارج المخيم باتجاه الجبال الشرقية.
ذهب أولاد خالي في طلعة استكشافية، فعاد أحدهم وقال إنهم وجدوا مغارة في الجبل يمكننا اللجوء إليها، في حين بقي اثنان هناك لكي "يحجزا المكان". خرجنا جميعاً، وهذه المرة مع أفراد عائلة خالي (8 أفراد). قاد والدي السيارة باتجاه المغارة وركب معه الكبار، بمن فيهم أمي التي كانت تحمل أخي الوليد ابن يومين، في حين غادرنا نحن الأولاد والبنات سيراً على الأقدام.
وصلنا جميعاً إلى المغارة الواقعة على منحدرٍ عالٍ فوق كتف وادٍ فسيحٍ، وجلسنا عند مدخلها. في الجهة المقابلة للمغارة هضبة أعلى ارتفاعاً. كنا نشاهد الناس وهم يسيرون عبر الوادي كالسيل الدفيق. إلى أين؟ قال خالي باتجاه "عيرا" ويرقا"، وكانت تلك أول مرة في حياتي أسمع باسم قرية صديقي لاحقاً، الإعلامي سهم العبادي.
بالإضافة إلى الشارع الرئيس الذي يعبر مخيم الكرامة من الشمال إلى الجنوب، كانت غارات الطائرات المعادية تتركز على منطقة الشونة والمرتفعات الواقعة شرقها، ونظراً لموقعنا، فقد كنا نرى أعمدة الدخان المتصاعدة من بعيد.
تكثّف القصف بحلول وقت العصر، وزادت أعداد الطائرات المغيرة، فأحصيت منها 14 في إحدى المرات، وعلا دوي القذائف المضادة للطائرات، فأصيبت إحدى الطائرات، ورأينا النيران تشتعل في ذيلها من بعيد، لكن الطيار وجهها شرقاً إلى أن أصبحت فوق الهضبة التي تواجه "مغارتنا"، وعندها قفز بالمظلة وتحولت الطائرة إلى كتلة من اللهب عند ارتطامها بالأرض. تجمعت الطائرات المعادية، وأصبحت تحوم فوق المنطقة. رأينا الطيار عندما لامس الأرض، وعندها غادر نصف الطائرات غرباً، وبقي النصف الآخر مشكلاً مظلة حماية له. سمعت والدي يقول: "سيأتون بطائرة مروحية لإنقاذه"! ولم يخب توقعه، فبعد أقل من نصف ساعة، عاد سرب الطائرات محيطاً بطائرة عمودية (هيلوكبتر)، هبطت على الأرض والتقطت الطيار، وغادرت غرباً تحيط محاطةً بجميع الطائرات القاذفة.
كان الوقت قد قارب المساء وحلً الظلام رويداً، وفي البعيد غرباً، سطعت أنوار أريحا، وسمعنا بعض الناس الذين كانوا لا يزالون يتدفقون عبر الوادي وهم يتهامسون: "لقد سقطت أريحا"، لكن أحدهم انهال بالشتائم على من يردد (الأكاذيب)، إذ لم تكن الأمور واضحةً بعد. بقينا في المغارة، وساد الهدوء، فلم تعد الطائرات في تلك الليلة، لكن لم يكن أحد ليتصوّر أن الحرب انتهت، وأنها آلت إلى الكارثة التي لا تزال تداعياتها في تصاعد حتى اليوم.
مدّ الكبار على أرض المغارة بعض البطانيات التي أحضرها أولاد خالي من بيتهم، وغرقنا نحن الصغار في النوم، في حين بقي الكبار ساهرين عند مدخل المغارة. لا أدري كم استغرق نومنا، لكننا صحونا قبيل منتصف الليل تقريباً على حوار بين والدي وخالي. كان والدي مصراً على المغادرة إلى عمّان، في حين كان خالي يحاول إقناعه بالبقاء خوفاً من التعرض لقصف الطائرات في الطريق. تم إيقاظنا جميعاً، وحشرنا في السيارة كما جئنا قبل ثلاثة أيام، وانطلقت بنا باتجاه الشونة.
كانت الطريق ملآى بالركام والمركبات المعطلة والمدمرة على الجانبين. وفي إحدى المرات عبر والدي بالسيارة وسط حريق شطر دبابة إلى قسمين. ومع بدء رحلة الصعود الجبلية عبر طريق وادي شعيب، بدأ مزيد من الأهوال يتكشف أمام أعيننا. كنا نسير دقيقتين، ونتوقف طويلاً وسط المركبات المتعطلة وأفواج الجنود العراقيين السائرين على غير هدى بعد أن تحطمت مركباتهم وفقدوا الكثير من رفاقهم.
لن أنسى ما حييت مشهد ناقلات الجند المكدسة بجثث الشهداء العراقيين، ونحن متوقفون خلفها من دون حراك، لأن الطريق غير سالكة بفعل الركام والقصف. كنت أغلق عينيّ حتى لا أبقى محدقاً بالمشهد المرعب.
استمر تقدمنا بطيئاً، وكنا نسمع همسات الكبار الخائفين من استئناف الغارات الجوية في أي وقت، ونحن عالقون وسط المركبات والدبابات، إلى أن بلغنا أسفل مدينة السلط مع بزوغ ضوء النهار. في المدينة، كانت الطريق سالكة، لكن الصمت سيد الموقف، فلم يكن هناك من حركة على الإطلاق. واصل والدي قيادة السيارة مروراً ببلدة صويلح، ومن أمام الجامعة الأردنية. وعندها بدأ نقاش الكبار، إلى أين نسير؟
بدأوا في تعداد الخيارات، وكلما ذُكر اسم أحد الأقارب، كان يأتي التعليق بأن لهم ابناً أو أباً أو أخاً في الجيش، وليس من المناسب أن نحلّ عليهم في هذه الظروف. وصلنا إلى منطقة العبدلي، ولكم أن تتخيلوا مدينة يلفها الصمت تماماً، وسيارة تخترق طرقاتها! كنا نلاحظ بعض السكان يطلون من الشرفات للاستطلاع، ولم نكن على علم بأن عمّان والزرقاء ومناطق أخرى قد تعرضت للقصف الجوي المعادي في الأيام الثلاثة الماضية.
واصل والدي طريقه إلى الزرقاء، التي كانت غارقة في الصمت ايضاً. وصلنا عند باب منزل أقاربنا، الذين لم أكن أعرفهم من قبل. فتحوا لنا الباب نزل والدي وخالتي ووالدتي، خرج أقاربنا، انخرط الجميع في البكاء وتجمع بعض الجيران متسائلين عما جرى، وسط دهشتنا.
كنت مدركاً أن مصيبة كبرى حلّت بنا، ليس كعائلة فحسب، بل كشعب وأمّة وأجيال. ضاع ما تبقى من فلسطين، بما فيها القدس، واحتلت سيناء والجولان. واكتسبنا لقباً جديداً، فقد أصبحنا "نازحين" أيضاً بعد أن كنا لاجئين فقط.