صعدتُ إلى المقعد الأمامي المجاور للسائق في مركبة الفان المتوقفة أمام مبنى الشركة.
صباح الخير أبا حمزة.
صباح النور أستاذ. توكلنا على الله.
وانطلقت المركبة باتجاه البلدة البعيدة في الجنوب.
كنت مكلّفاً بتسليم مواد ومعدات مختبر مدرسة البلدة من الشركة التي عملتُ فيها لشهرين تقريباً. فقد رسا عطاء المناقصة عليها لتجهيز المختبر، وقام أحد زملائي العاملين بتحميل المواد والأجهزة البسيطة، ووقع الاختيار عليّ لأداء هذه المهمة التي تستغرق اليوم بأكمله ذهاباً وإياباً.
تسلمتُ الكشوف من زميلي الذي همس في أذني: "اسأل عن فلان عند وصولك إلى هناك، وقل له: هديتك محفوظة"!
امتعضتُ، لكنني لم أعلّق.
توقف أبو حمزة مرات عدة في الطريق لتفقد سائل تبريد محرك المركبة، التي كانت ترتفع حرارتها، وكان لا بد من تعويض ماء الريديتر المفقود. وفي إحدى المرات كان توقفنا بجانب استراحة فيها مطعم شعبي.
شاحنات كثيرة أمام الاستراحة، وأصوات السائقين تتعالى وتصل إلى الخارج. كل يروي قصة مختلفة، هذا عن تعطل الغيارات معه وكيف استطاع إيقاف الشاحنة، وذاك عن انزلاق الحمولة، وثالث عن توقفه وسط الصحراء لأن ارتفاع حمولته لم يسمح له بالمرور أسفل جسر على الطريق. طاولة أخرى كان يتحلق حولها وقوفاً عددُ أكبر من السائقين يصغون بانتباه لأحدهم الذي يروي همساً مغامرة نسائية. وعلى الرغم من خفوت صوته، إلا أن بعض الكلمات المتناثرة كانت كافية للافصاح عن فحوى الرواية.
رائحة الشواء كانت مغرية وجذابة، إلا أنني فقدتً شهيتي منذ دخلتً المطعم، وأيقنت أنني لن أجد شيئاً آكله لأن متطلباتي الغذائية معقدة للغاية، ليس لأسباب صحية والحمد لله، فاكتفيت بقهوة مرّة وقطع من البسكويت. لكن أبا حمزة أبلى بلاءً حسناً مع "قلاية البندورة باللحمة" وكان يحثني على الانضمام إليه، ولولا أنني استوقفتُه لأقسم بطلاق أم حمزة ووضعني في موقف حرج، ذلك أن علاقتي باللحوم ليست جيدة منذ القدم، ناهيك عن حالة المطعم التي لم تكن تشجع على الإطلاق.
تعدّل مزاج أبي حمزة بعد تناول فطوره المتأخر، فانطلق يروي لي مغامراته عندما كان سائق ثلاجة ينقل الخضروات والفواكه إلى دول الجوار، وكيف استطاع في إحدى المرات السيطرة على مركبته الضخمة بعد تعطل المكابح، وكيف أنقذ زميله الذي انحرف عن الطريق وكادت شاحنته تنقلب في الرمال، وكيف علق وسط قافلة حجيج في إحدى السنوات واضطر إلى القيادة ببطء لأنه لم يستطع تجاوز صف الحافلات، وحكايات أخرى لا تنتهي.
واصلنا طريقنا، والمركبة تعلو وتهبط بفعل المطبات والحفر الموزعة بعناية على الشارع الذي بدا لي بلا نهاية، إلى أن وصلنا البلدة قرب الظهر. توقفنا في ساحة المدرسة، واتجهتُ إلى مبنى الإدارة لأبلغهم عن مهمتي. فحضر فريق من الموظفين (لجنة) لاستلام المواد والأجهزة.
قابلتً الشخص الذي أوصاني به زميلي، فقد بادر هو بتقديم نفسه. لكنني لم أنقل إليه الرسالة عن سابق إصرار وتصميم. كان يُلمّحُ ويلف ويدور في انتظار إشارة أو إيماءة مني، لكنني تجاهلتُه تماماً. ولما غلبَهُ اليأس، فتح ملفاً كان يحمله بيده وقال بعصبية ظاهرة: لنبدأ. فباشرنا عملية التسليم وتفقد المواد والأجهزة بالترتيب بنداً بنداً.
فوجِئْتُ بأن معظم الأجهزة لم تكن مطابقة للمواصفات التي وردت في العطاء. وكان فلان هو من يبلغني بذلك. فقلتُ له: "يا أخي الكريم، أي جهاز غير مطابق، ضعه جانباً، وسوف أعيده معي إلى الشركة لاستبداله فيما بعد". كان يلمّح إلى إمكانية التغاضي، ويذكرني بأن ذلك قد يكلف الشركة غرامات مالية، ناهيك عن استبعادها من العطاءات مستقبلاً. إلا أنني "ركبتُ رأسي" ولم آبه البتّة.
قفلنا عائدين إلى مدينتنا، كنت مرهقاً وجائعاً. وفي الطريق، كرر أبو حمزة على مسمعي أنني سوف أواجه مشكلة مع إدارة الشركة. وقال لي: "هذه هي الواقعة الأولى من نوعها منذ بدأتُ العمل في الشركة، إذ غالباً ما يتم التسليم من دون عوائق في كل مرة". وصلنا ليلاً بعد رحلة طويلة شاقة، ولم يكن في مقر الشركة سوى الحارس، فأنزلنا المواد المرتجعة، واتجهتُ إلى أقرب مطعم، فقد قضيت اليوم كاملاً بتناول القهوة والسجائر.
فور وصولي إلى مبنى الشركة في صباح اليوم التالي، أخبرني موظف الاستقبال أن المدير في انتظاري، فقد سبقتني الأخبار إلى مقر الشركة في اليوم الفائت. ألفيتُ المدير، وهو مالك الشركة أيضاً، جالساً متجهماً وراء مكتبه والسيجار الهافاني في فمه، في حين وقف زميلاي في القسم جانباً، ألقيت تحية الصباح وجلستُ على أحد المقعدين الخاليين (من دون دعوة للجلوس).
وابتدأ التحقيق.
المدير: ما الذي حدث بالضبط؟
أنا: الأجهزة لم تكن مطابقة للمواصفات.
المدير: لماذا؟
زميلي: فزنا بالعطاء لأننا تقدمنا بأدنى سعر، ولو أحضرنا الأجهزة حسب المواصفات الواردة في العطاء، لكان في ذلك خسارة لنا. إلا أنني طلبت من زميلي أن يبحث عن فلان عند التسليم وينقل إليه رسالة.
المدير: هل قابلت فلاناً ونقلتَ إليه الرسالة؟
أنا: قابلته.
المدير: ولماذا لم تنقل إليه ما أخبرك به زميلك؟
أنا: (تصنّعتُ الغباء) لم أفهم المقصود، فهذه أول مرة أقوم بمثل هذه المهمة!
زميلي: لو كنتَ أبلغتَ فلاناً الرسالة لاكتمل التسليم من دون مشاكل وانتهى الأمر.
استمر التحقيق بين سؤال ووجواب... لماذا ولماذا ولماذا.
حافظتُ على هدوئي، وعندما ساد الصمت مع استمرار تعارك المدير مع سيجارِه بعصبية، قلتُ موجّهاً حديثي إليه: هذه الـ"لماذا" من حقي أنا! لماذا لم تصارحوني قبل الانطلاق أن معظم الأجهزة غير مطابقة للمواصفات؟
المدير: ماذا كنتَ ستفعل لو صارحناك؟
قلتُ له: ساعتها كان أمامي خياران، إما أن أوافق على القيام بالمهمة وإبلاغ الرسالة إلى "فلانكم"، أو أن أرفض الذهاب لتختاروا شخصاً آخر. وعندها أكون مستعداً لتقديم استقالتي.
أنهى المدير جلسة التحقيق بالطلب من زميلي أن يتصل مع "فلان" وأن يحاول إرضاءه، علّه يستطيع إنقاذ الموقف.
أدركت أنني لا أنتمي إلى هذا المكان، ولا إلى أي مهنة تتعلق بالتجارة والأموال. فقد رسبتُ في المادة "فساد 101" والحمد لله.
عدتً وزميلي إلى القسم، وعند وصولنا، بدأ "ينصحني" بما ينبغي عليّ عمله لتجاوز الأمر. ومما قاله: مديرنا طيب، اعتذر له، وسوف يصفح عنك!
أخرجت ورقة وقلماً، وكتبتُ استقالتي، وطلبتُ من المساعد أن يوصلها إلى مكتب المدير، الذي قبلها ووقعها على الفور. وبما أنه لم يمض على عملي في الشركة سوى أقل من شهرين، فقد اعتبرت استقالتي سارية وبدون فترة إنذار.