هنا كان يجلس أبي، وهذه أنفاس أمي تخترق المكان، كم جلسنا أنا وأخي على هذه العتبات نلعب ونروي الحكايات، هنا أبلغت أخي الكبير عن أحلامي، وهنا ودّعتُ الأصغر، وهنا يركن سرير الصغير الصغير آخر العنقود سكّرنا المعقود، وعلى هذه الشرفة كم انتظرتُ ساعي البريد في محاولةٍ لاستباقه قبل أن يرن جرس دراجته فيسرق عنصر المفجأة بوصول رسالةٍ من أخي .. 

في هذه الزاوية من طرف الشارع كانت مدرستي الابتدائية، وعبر هذه الأزقة والقناطر كنّا نعبر الشارع وَجلينَ يكسو وجوهنا خفرٌ شفيفٌ من أن نرمق الشبابيك المعلقة في الممرات فضولاً لا أكثر ... 

هذا الشارع كنّا نبطيءُ فيه الخطوَ أنا وإخوتي ونحن نستمع لحفيف شجر الصنوبر ونطرب لصوت زقزقة الطيور، هنا يقبع بيت جدي حيث كنّا نتعلم العلاقة بين الانسان والشجر، وهنا  أجبرت أخي ذات مساء على العودة لبيتنا لأن القمر لحقنا وترك بيتنا فرفضت النوم في بيت جدي، حاول أخي جاهداً  أن يفهمني أن القمر يتبعني إلا أني لم أفهم، ولم أرد فهماً لأَنِّي أحسست بغربة الابتعاد عن بيتنا فهوَ المكان الأمان .. 

هذا هو السوق الذي كنت أرافق أمي وإخواني حيث كنت أرافقهم متعة الاكتشاف والتعرف على حقيقة ما يجري خارج حدود منزلنا، في كل مكان كنت أراقب، فكل الزوايا والحيطان والأبواب تعنيني .. 

لكل مكان حكاية، ولكل مكان ذكريات وما أكثرها وما أجمل الأماكن التي تحمل في جنباتها؛ الحياة ... 

#birow