اعتدتُ على شراء احتياجاتي البسيطة من بقالة أبي محمد. لم يكن هناك محلات سوبر ماركت أو ميني مارت في ذلك الوقت مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أو قل لم يكن مفهوم السوبر ماركت قد شاع في بلادنا بعد.
بقالة أبي محمد تقع بجوار مدخل وزارة المالية، لكنها على الرغم من ذلك كانت أحد مصادري لشراء الدخّان الأجنبي المهرّب، فقد كنت مدخّناً شرهاً. ولم تكن منتجات التبغ الأجنبية متوفرة في الأسواق في ذلك الوقت لتشجيع المنتجات الوطنية. كنت أشتري من البقالة أيضاً المشروبات الغازية ومنتجات الألبان والأجبان والسكر وغيرها من المتطلبات اليومية.
علمتُ عن توفر الدخّان المهرّب عند أبي محمد من أحد الزملاء الذي تصادف أن رآني في أحد الأيام أشتري السجائر من مكان بعيد. فقال لي: القريبون أولى. وعندما طلبت الدخّان من أبي محمد لأول مرة، تردد طويلاً، وفتح معي تحقيقاً بشأن مصدر معلوماتي ومن دلّني عليه. لكن ثقته بي كزبون دائم، وجار أيضاً، تغلّبت على شكوكه ومخاوفه، وأصبح مصدري الرئيس لجرعات النيكوتين.
عندما كنت أطلب السجائر، كان أبو محمد يمد رأسه إلى خارج الدكان، ويلتفت يميناً ويساراً بحركة سريعة، قبل أن يدس يده أسفل صندوق خشبي، ويضع علب السجائر في كيس ورقي يناولني أياه وهو يتلفت في جميع الاتجاهات، خوفاً من احتمال وجود مراقب جمركي. أما عند تواجد بعض الزبائن في الدكان، فقد كان أبو محمد يطلب مني، بإشارة خفية من يده، الانتظار حتى ينتهي منهم.
أبو محمد شخصية في غاية البساطة. كان يأخذ قرشين رهناً على كل قارورة مياه غازية حتى تعود القنينة الفارغة، فلم تكن العلب المعدنية أو القوارير ذات الاستخدام الواحد قد عُرفت بعد. وعندما أعود للشراء مرة أخرى، كنت أقول له: يا أبا محمد، هاك خمس قوارير فارغة، أعطني بدلاً منها خمساً ملآنة، وإليك ثمن المشروب فقط. فيكون جوابه الرفض بإصرار، ويقول لي: إليك قروش الرهن العشرة التي دفعتها أولاً، والآن ادفع لي ثمن القوارير الخمس الجديدة مع الرهن! وكم حاولتُ إقناع أبي محمد بأن الأفضل أن أعطيه الفارغ وأتسلّم الملآن مع دفع ثمنه فقط، وليبق الرهن قائماً، لكن بلا جدوى! كان يعيد لي الرهن أولاً، ثم يأخذه مرة أخرى قائلاً: "يا عمي، هيك أحسن لي وأحسن لك"!
علي، ابن أبي محمد الصغير، كان يذكّرني بسنوات طفولتي عندما كنت مجبراً على الذهاب إلى حانوتنا في المدينة مع عمي، لكي يبعدوني عن البيت بسبب المشاكل التي كنت أسببها لأخوتي وأولاد عمي وللجيران أيضاً. كان عليٌ، ربما في التاسعة من عمره، يعمل مع أبيه في الدكان، ويساعد الزبائن في حمل مشترواتهم إلى بعض المنازل المجاورة.
اقتربتُ من الدكان في أحد الأيام على صوت صراخ واستغاثة، فوجدت أبا محمد يُرغي ويُزبد، وينهال على عليٍ بالضرب والشتائم. فأسرعت إلى تخليص الولد من بين يديه، وبدأت أهدئه.
جلس أبو محمد على الكرسي لاهثاً والعرق يتصبب من ذقنه. قلت له: ماذا جرى، ما الذي فعله علي؟
قال لي، مشيراً إلى كومة من علب جبنة البقرة الضاحكة وقد نزعت أغطيتها: "أنظر هنا ابن الـ... لقد فتح حوالي أربعين علبة جبنة"!
قلت مستغرباً: لماذا؟
أشار إلى ملصق في مدخل الدكان قائلاً: "هناك حملة جوائز مقابل قسائم حظ في العلب. تركته في الدكان لأتوضأ وأصلي، وعندما عُدت، وجدت هذا الـ...". وحاول الانقضاض على عليٍ مجدداً، فحلتُ بينهما. وأردف أبو محمد قائلاً بحسرة: "يا ليته وجد شيئاً. يعني فتح كل هذه العلب على الفاضي. لو أنه فاز بكرة أو حقيبة أو حتى قميص خفيف، لهوّن عليّ هذه المصيبة".
قلتُ له: يا أبا محمد، هذا ابنك، فلذة كبدك. هو طفل، لم يقدر العواقب، وأغرته الصور على الملصق. نعم، لقد أخطأ وانتهى الأمر. والله لو حدث له أي مكروه لبذلتَ كل ما تملك فداءً له. أنا واثق من أنك ستسامحه وتصفح عنه.
وبعد أن هدأ، واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم، سألته: والآن، ماذا ستفعل بمثلثات الجبنة هذه؟
أجاب: سوف تُباع، لكن ذلك سيستغرق وقتاً أطول. فهناك بعض الناس الذين يشترون قطعتين او ثلاث قطع في كل مرة.
قلت: حسناً، يعني لن تخسرها. ولكي أخفف عنك، سأشتري علبة مفتوحة. وسوف أطلب من أصدقائي أن يحذو حذوي. فشكرني ودعا لي بالخير.
فكرتُ قليلاً، وقلت في نفسي: لماذا لا أجرّب حظي أيضاً؟
تناولت من يد أبي محمد الممدودة العلبة المفتوحة، وقلتُ له: سوف آخذ علبة أخرى مقفلة. أريد أن أجرّب حظي.
هنا اشرأبت عنق علي، الذي كان منزوياً في أحد أركان الدكان، وتحرك من مكانه نحونا.
أعطاني أبو محمد العلبة المقفلة، وبدأت أشد الخيط الأحمر الملصق بمحيطها الدائري. كانت عينا علي تكادان أن تخرجا من محجريهما وهو يراقب يدي. وعندما أزلتُ الغطاء، ظهرت القسيمة التي حملت عبارة: مبروك، لقد ربحت حقيبة!
ابتسم أبو محمد، وقال: سبحان الله، 40 علبة لم يجد عليٌ شيئاً، وأنت من علبة واحدة ربحت الحقيبة؟ حظوظ!
أمسكتُ القسيمة وعليٌ ينظر إليّ مذهولاً، ناولتُه إياها وقلت له: إنها لك، مبروك!