قرأتُ مؤخراً مقالةً ورد فيها حوارٌ بين أستاذ غربي وطالب عربي.
سأله الطالب: "متى تعتقد أنني سأتقن الانجليزية، تحدثاً وكتابةً وقراءةً، كأبنائها"؟
فأجابه الأستاذ: عندما تصبح أحلامُك باللغة الإنجليزية"!
مهما تعلّمنا من لغات، وجرت كلماتها على ألسننا، فإن أحلامنا وأفكارنا سوف تبقى بالعربية، لغتنا الأم، التي أهملنا تعليمها لأبنائنا، بل إن البعض يعتبرونها من أسباب تخلفنا وعائقاً أمام تقدمنا، ويفخرون بأبنائهم الذين يرطنون بألسنة معوجّة.
"اللغة نسق من الإشارات والرموز، وهي وعاء الفكر وإحدى أدوات المعرفة، ومن أهم وسائل التفاهم والتواصل بين أفراد المجتمع، ومن دونها لا تستوي الحياة في كافة الميادين ويتعذر النشاط المعرفي للبشر. وترتبط اللغة بالتفكير ارتباطاً وثيقاً، فالأفكار والتعابير تُصبّ دوماً في قوالب لغوية، للتعبير عمّا يدور في ذهن الإنسان، إما كتابة أو نطقاً" (اقتباس بتصرّف).
العلوم في كوريا تدرّس بالكورية، وفي اليابان باليابانية، وفي الصين باللغة الصينية. أما نحن، فيزعم كثيرون ان لغتنا غير قادرة على استيعاب العلوم والتقنيات الحديثة.
لغتنا العربية جميلة، وفيها الكثير من الفنون التعبيرية والإبداع، نثراً وشعراً، وبمختلف أشكالها وأساليبها المنطوقة والمكتوبة. وهي من اللغات الحية التي لا يزال إنتاجها منذ قرون عدة مفهوماً في عصرنا الحاضر، على عكس كثير من اللغات الأخرى التي لا يفهم أبناؤها اليوم ما كُتب بها حتى في القرن الماضي أو ما قبله.
وتتميز اللغة العربية بقدرتها على التعريب واحتواء الألفاظ من اللغات الأخرى بشروط دقيقة. وفيها خاصية المترادفات والأضداد، والكلمات المشتركة لفظاً رغم اختلاف المعاني. وتتميز كذلك بالمعاني المجازية  والطباق والجناس والسجع والتشبيه، بالإضافة إلى البلاغة والمحسنات البديعية.
ترى، هل كان حافظ إبراهيم "شاعر النيل" يستقرئ قبل أكثر من 80 عاماً ما سيحدث للغة العربية اليوم؟ فقد نظم قصيدة تدافع فيها اللغة العربية عن ذاتها عندما بدأت الدعوة إلى العامية في بعض الدول العربية. ومما ورد فيها:
وَسِعْـتُ كِتَـابَ الله لَفْظَـاً وغَايَـةً.. وَمَـا ضِقْـتُ عَــنْ آي بــهِ وَعِـظِـاتِ
فكيـفَ أَضِيـقُ اليـومَ عَـنْ وَصْـفِ.. آلَـةٍ وتنسيـقِ أَسْـمَـاءٍ لمُخْتَـرَعَـاتِ
أنا البحرُ فى أحشائِهِ الدرُّ كَامِنٌ.. فَهَلْ سَأَلُـوا الغَـوَّاصَ عَـنْ صَدَفَاتـي؟
اليوم، 18 كانون الأول (ديسمبر) هو اليوم العالمي للغة العربية. ويُحتفل به سنوياً منذ 1973، عندما اعتمدت الأمم المتحدة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل في جميع وكالاتها. وفي هذه المناسبة، أقول لمن يتفاخرون بإتقان اللغات الأخرى: "اسألوا أنفسكم أولاً، ثم اسألوا أبناءكم: هل تحلمون باللغة الإنجليزية"؟